الصفحة الرئيسية


 

 

الطريق إلى الإدراك الصافي

 

فصل 02 - "الأفكار"

 

 

الوحدة 02-01 : التحرر من المفاهيم الكاذبة

 

"كلنا في كثير من المسائل نعتمد على ما دُس في عقولنا أثناء التربية في البيت من الأشياء الموثوق بها، أو على "الفكر الصواب": نخاف أن نزعزع في أنفسنا الشعور بالثقة. إذا كنتم تضحدون هذا الإتهام انتظروا قليلا، سوف تمسكون أنفسكم عليه قريبا."

 

                                                                     إيريك رودجرس

 

محتويات الوحدة:

02-01-01) المفاهيم ودورها في نشوء (ع س).

02-01-02) مصدر نشوء المفاهيم.

02-01-03) المفاهيم الظاهرة وغير الظاهرة.

02-01-04) المفاهيم الظاهرة واضحة الفراغية"  والمفاهيم الظاهرة "العملية".

02-01-05) تدريب التمييز والإستبدال التلقائي.

02-01-06) مضادات المفاهيم. معناها وأشكالها. مثال على "مفهوم الحرية".

02-01-07) كتابة قائمة المفاهيم.

02-01-08) تصنيف المفاهيم حسب مضمونها.

02-01-09) المفاهيم القوية والضعيفة.

02-01-10) تصنيف التفسيرات. مسألة الأقارب. مفهوم "العلاقة".

02-01-11) اختيار التفسيرات. أمثلة.

02-01-12) دراسة المفاهيم، الحجج ومضادات الحجج.

02-01-13) طريقة الإختبار المباشر للمفاهيم.

02-01-14) التغيير الدوري للمفاهيم.

02-01-15) المفهوم النظري "أنا". تدريب الوعي بالغياب.

 

 

02-01-01) عند المباشرة بالتخلص من (ع س) ، تلاحظين أنها تظهر بتكرار أكثر عندما تتطور الأحداث ليس كما تريدين أنتِ. (ع س) تصاحب بالأفكار " هذا خاطئ"،  "هذا ليس جيدا" ، "يجب أن يكون غير ذلك" ، أي تصوراتكِ عما "يجب" أن يكون، تخالف ما هو موجود فعلا، والعادة في الشعور ب(ع س) تبدأ عملها في مثل هذه اللحظات. بتطوير الجهود في التخلص(ع س) ، بتثبيت الوضوح في أنكِ لا تريدين الشعور بها، وتريدين إنهاء هذه العادة المضجرة، بتثبتكِ في الرغبة السعيدة في الشعور ب(أح م) ، وبالتمتع بالصفاء الفكري، تصلين إلى ظهور اهتمام وطيد بالدراسة النظرية للمفاهيم.

كلمة "مفهوم" تستخدم في العلم لوصف نظام غير متضارب من النظريات والتفسيرات لبيانات التجربة. كلمة "مفهوم" في هذا الكتاب تستخدم وفق ذلك المعنى الذي حصلَت عليه في لغتنا اليومية- "نظام من وجهات النظر معترف به تلقائيا".

"تلقائيا" – يعني بتقليد أعمى، دون تفكير، تحت أثر (ع س) ( على سبيل المثال الإحساس بعدم الكمال النفسي، بعدم الكياسة، الخوف من الموقف السلبي تجاهكِ، الخوف من العزلة إلى آخره) ،دون تفكير شخصي، دون بحث شخصي عن الأسس على شكل بيانات التجربة.  هذا يعني انه يتم الإعتراف بادعاء معين على الثقة، وبعد ذلك يعيش الإنسان معتقدا أنه حقيقة.

"نظام من وجهات النظر"- هو جملة مستقرة من الأفكار التي تظهرعادة في ظروف معينة.

مثلا إذا خبط الطفل بشيء وبكى ،تنشأ جملة  اعتيادية من الأفكار: "الطفل يبكى- إنه يتألم- تجب مواساته"، وهذا أساس لنقول انه يوجد مفهوم "تجب مواساة الطفل الباكي". ولكنكِ مع الوقت تكتشفين أن الدموع والطلبات تزداد وتزداد، تجب المواساة مرارا ومرارا ، وعندها قد تشكين في هذا المفهوم وتبدأين بالتفكير.  نتيجة التفكير والملاحظات، والإفتراضات الناتجة عنها، والخبرة الجديدة التي حصلتِ عليها يمكنكِ ان تتوصلي إلى أن "المواساة"- تعني تعويد الطفل على الشعور بالشفقة على نفسه. في النتيجة يمكنكِ أن تغيري تصرفاتكِ- ليس فقط عدم المواساة، بل العكس- حرم الطفل من الإنتباه كل مرة يشعر فيها ب(ع س)قوية، ومجرد ما يظهر انقطاع في بكائه تعيرينه اهتماما وعطف إذا وجد. في النتيجة سيفهم الطفل أن البكاء الشديد والشفقة على النفس ستسلبه اهتمامكِ  ، وسيحصل على دافع لوقف عادة تنمية هذه (ع س) في هذا الموقف. وأنتِ في النتيجة ستتخلصي من المفهوم، ستمرين بإحساس الوضوح، ويبقى عليكِ الوصول إلى تخلص تام من (ع س) التي تظهر بالعادة عندما يقوم الطفل بالسعي إلى الحصول على اهتمامكِ بواسطة البكاء.

 

 

02-01-02) أنتِ تحصلين على المفاهيم من مصادر متنوعة. مثلا إذا شاهدت الأم صرصارا أثناء الغداء ستشمئز، ستصرخ بصوت بشع، وبتقزز وخوف ستخرجه إلى الحمام، فأنتِ كونكِ طفلة صغيرة تتقبل وتمتص كل شيء، ستمتصي هذا التصرف تجاه الصراصير، وبعد ذلك ستقبلين بسهولة مفهوم : "الصراصير- شيء شنيع".  إنه الطريق العاطفي في نقل المفاهيم.

طريق آخر – معتمد على الأشخاص الثقة. إذا قام  شخص "محترم" أو "كبير" أو "ذكي" ذو مظهر مرموق  بإخبارنا  أنه لا يجب علينا فعل هذا أو ذاك، يمكننا أن نقبل هذا الإدعاء معتمدين على الثقة، إذ لا يستطيع شخص "ذكي" و "محترم" كهذا أن يقول شيئا غبيا.

الطريق الثالث- الملامح. إذا دخلتِ مجتمع معين، ستبدأين بتلقي مفاهيم الناس فيه إذا اردتِ ان تكوني مقبولة عندهم وليس منبوذة.

أريد أن أفرد الألم، والخوف المتعلق به كطريق لنقل المفاهيم. إذا وقع الطفل وخبط بشيء وشعر بالخوف، في هذه اللحظة بتأثير الجدة المواسية سيتلقى مفهوما بأن "الركض السريع- خطر وسيئ، والجلوس بهدوء- جيد وغير خطير".

الطريق الخامس معتمد على الخطأ التالي، أن  ننظر إلى طقم من الحقائق على أنه كامل ونهائي. عندما تقولين "لا توجد حياة على المريخ"، تفترضين في البداية أن هذا الإدعاء يعتمد على الحقائق المعروفة الآن وانه في المستقبل قد يكتشف أي شي- شيء اسطوري وغير متوقع، ولكن مع الوقت تتكون ثقة تامة بأنه لا توجد حياة على المريخ.

الطريق السادس- خطأ منطقي أو عدم كفاية الدوافع الأولية أو خطئها، أو الغباء، أي ذلك  الخمول المميز للتفكير الذي تشكل تجاه الحياة بواسطة (ع س).

الطريق السابع يعتمد على الشعور بالأهمية الشخصية. قول شيء بنبرة مرموقة، "مع معرفة بالأمور"- هذا يعني رفع مرتبتك في نظر زوجتك، صديقك، زميلك، وبعد ذلك لا يبقى شيء سوى المناضلة من أجل وجهة نظرك إلى النهاية،  مهما كانت وجهة النظر هذه عديمة المعنى، مستجدما الضغط النفسي ("ألا تفهم هذا؟")، والتقعيد القاصد للأمور، أي التنمية القاصدة لعدم الوضوح.

الطريق الثامن- مفاهيم أخرى تولد رغبات تلقائية تفرض نفسها عليكِ. إذا كان والدك ِ يرى أن الإبنة يجب أن تخبره- أين ستبقى هذه الليلة، مع من تمارس الجنس وإلى آخره، فعندما تخرجين من البيت ولا تخبرينه بشيء يشعر بدفعة من الإنزعاج والعدوانية، يريد أن يجبركِ على اتباع رغباته ويبدأ باختراع تخويفات متنوعة، وكلما كان ذلك الشيء الغبي الذي سيخترعة أكثر إخافة زادت فرصة أنه سيؤثر عليكِ. بهذا الشكل فهو يبذل جهدا لتوليد مفاهيم جديدة في نفسه، ويحاول نقلها لكِ، ليتمكن من التحكم بكِ من جديد، وإبقائكِ في السجن.

الطريق التاسع- الأكثر انتشارا- عدم الصراحة في التفكير. يمكنكِ استثناء الحجج وعدم إيصال التفكير إلى نهايته، متنبئة بأن النتيجة ستعارض معتقداتكِ، أو قد تتعاجزين عن دراسة الأجزاء الضيقة من مفهومكِ. هذا "التفكير" يتميز باحتوائه على عناصر من نوع "واضح أن..."، "الكل يعرف أن..." ، "لقد اكتشف العلماء منذ فترة طويلة أن...." (بينما لا يوجد في الواقع أي مراجع محددة لتصريحات العلماء، أو مقارنات مع آراء أخرى) وإلى آخره.

 

 

02-01-03) إن الناس نادرا جدا يفكرون، لأن كلمة "تفكير" عادة  ليس عملية التفكر، وتمييز وتحليل الحجج إلى آخره، بل عملية لعب بالألفاظ.

المفاهيم تقسم إلى طبقتين كبيرتين. الأولى- عبارة عن المفاهيم الظاهرة، أي تلك التي يمكن أن يكونها الإنسان بنفسه، التي يدفعها  بنفسه إلى الأمام. يمكننا أن نقرأ  كتبا عدة عن فوائد الكرنب، ونستوحي هذا الشيء ونبدأ بإقناع أفراد العائلة به.

لنتخيل موقفا آخر: سنسأل شخصا- هل يمكننا ان نتوقف عن الشعور ب(ع س)، بالطبع سيجيب "لا"، ولكن هذا لا يعني أنه فكر في هذا يوما ما، أو درس حجج  أو شهادات أحد، أو حاول بذل الجهد بنفسه. إن هذه الأفكار لم تخطر في باله على الإطلاق، وقبل ما نسأله هذا السؤال ربما لم يكن يعرف انه سيجيب بهذا الشكل. وإذا طلبنا منه أن يذكر تصوراته عن العالم بوضوح، لما ظهر هذا المفهوم في القائمة أصلا. إنني أسمي هذه المفاهيم بغير الظاهرة. بغض النظر عن كونها غير ظاهرة، فهي تحدد تصرف الأنسان بقسوة لا تقل عما تفعله المفاهيم الظاهرة. إذا أقنعت ذلك الشخص ،الذي يؤمن بالمفهوم غير الظاهر : "التوقف عن الشعور ب(ع س) مستحيل" بالتفكير فهو يستطيع أن يصل إلى نتائج مختلفة- "لا يمكن التوقف" ، "ربما يمكن التوقف" ، "لا أعرف، لم أجرب"، "يجب أن أفكر"، "ولما لا؟" وإلى آخره، ومع ذلك فهو سيستمر بالتصرف كما لو تقبل كليا مفهوم استحالة وقفها.

إذا قام الشخص بمخالفة القانون لعدم معرفته بالقوانين ، فهو على الرغم من ذلك  سيتحمل المسؤولية ، بنفس الطريقة يتحمل الناس مسؤولية مفاهيمهم على الرغم من انهم قد لا يعرفون بوجودها على الإطلاق.

مثال آخر لمفهوم غير ظاهر: " لن أستطيع الوصول إلى الإستفتاح طيلة حياتي".  نقض هذا المفهوم عمليا مستحيل. أشك في أن هذا المفهوم قد يخلق اضطرابا ظاهرا ،لانه يتحدث عن شيء بعيد جدا- نهاية الحياة- وشيء غير محدد "الإستفتاح". لن يكون له أي حوار داخلي واضح-  لأن الحوار الداخلي عالي الصوت منشغل بما هو جوهري ومهم أكثر. إذا تحدث أحد ما بهذه الفكرة فقد لا تصدقينها ( ذلك يعتمد على مزاجكِ)، أو ربما تبقين في موقف غير محدد، ومع هذا فإن المفهوم سيبقى وسيستمر بإخماد الطموح. إن إدراك وجود هذا المفهوم قد يتولد بنفسه- نتيجة الجهود في التخلص من (ع س)، وتوليد (أح م)، والتحكم في الحوار الداخلي العشوائي، والتحدث مع المتدربين وإلى آخره،وفقط  بعد كل هذا ستشعرين بذلك الحمل، الذي ضغطكِ به، وستتمكنين من البدء في بذل الجهد للتخلص منه.

المفهوم الظاهر في متناول الدراسة، في حين أن المفهوم غير الظاهر يجب اكتشافه اولا، مما يشكل صعوبة، وبعد اكتشافه يجب التعبير عنه بوضوح، لجعله موضع تحليل. لاكتشاف مفهوم غير ظاهر انصح باستخدام التوثيق الكتابي وتحليل الحوار الداخلي في لحظة ظهور (ع س)، عندما يمتد (ج س) أو (ح ن س).أي مفهوم- ظاهر او غير ظاهر- عبارة عن جزء من الحوار الداخلي(ح د)، أي سلسلة سريعة المرور من الأفكار. الحوار الداخلي يتشكل من عدة طبقات (سأعرض هذا بالتفصيل في الوحدات القادمة). الحوار الداخلي عالي الصوت يتكون من كلمات نذكرها في أنفسنا، وفكرة كهذه قد تستمر بالوجود جزء من الثانية  أو أكثر. الحوار الداخلي الأعمى يتكون من مقاطع من الكلمات، مدتها تبدأ من 30/1 الثانية، والفكرة التي تتشكل من سلسلة من مقاطع كهذه قد تكون مدتها قليلة جدا- على سبيل المئال ثلث من الثانية، ولذلك "فالتقاط" هذه الأفكار وتوثيقها يحتاج إلى انتباه كبير، وسرعة كبيرة في التخلص من (ع س).  انني اسمي هذا التدريب "التعامل الفاعل مع المفاهيم غير الظاهرة".

طريقة أخرى- البحث عن الافكار المرتبطة. عند المرور ب(ج س) أو (ح ن س)، أنا لا أتخلص منه على الفور، بل أستمر بالشعور به، وادرس مواضيع متنوعة، اسأل نفسي أسئلة : "ما الذي يزعجني، يرهقني؟ هل نسيت إطفاء المكوى؟ لا. الطفل جائع؟ لا... مشاكل في الشغل؟ لا....". أنا أبحث عن الأفكار التي يظهر فيها الإرتباط- ستظهر دفعة من شدة (ج س)، وتظهر (ع س). هذا يعني أنه تم إيجاد اتجاه للبحث عن المفهوم غير الظاهر. وأدرس أفكارا من هذا المجال إلى أن يظهر الإرتباط من جديد، مما يؤدي إلى تضييق اكثر لمجال البحث. كلما كان رسمي للدائرة أكثر وضوحا، زادت فرصة حدوث الوضوح المفاجئ. كلما تمرنت على هذا التدريب أكثر، يزداد كمال مهاراتي.

الطريق الثالث لتحديد موضح البحث عن المفاهيم غير الظاهرة- "التشكيل الترابطي". في مخيلتك غيري شكل الموقف الواقعي وراقبي- هل يشتد (ج س)،أو يضعف أو لا يتغير.

مثلا تخيلي أن راتبكِ ازداد، وبعد ذلك تخيلي انه تناقص. ثم تخيلي أن دراسة طفلكِ تحسنت، وبعد ذلك تخيلي العكس. وهكذا. في كل مرة ستلاحظين اشتداد أو تناقص

ل(ج س)، ولكن موضوع معين منها سيرتد بارتباط شديد-هذا يعني أن السوء موجود فيها بالذات.

إن البحث عن المفاهيم كثيرا ما يكشف مجموعات كبيرة منها. على سبيل المثال: أنتِ تستقبلين ضيوفا، تشربون الشاي، يظهر الإضطراب. عند دراسة مقاطع من الحوار الداخلي ستفهمين أنكِ تخافين من أن يبدأ طفلكِ بإصدار صوت أثناء الطعام أمام الضيوف. من هنا يأتي المفهوم الأول- "إصدار صوت أثناء الطعام شيئ سيء وغير مهذب". تستمرين بالبحث: ولكن لماذا أخاف أنا، إذ ليس أنا من يصدر هذا الصوت... لأن هذا طفلي". من هنا يأتي المفهوم الثاني:" أنا مسؤولة عن تصرف طفلي". وهكذا. من هنا يتضح أن المفاهيم تظهر بمجموعات كبيرة وتدعم بعضها البعض. للوصول إلى الوضوح يجب فصلها جيدا والتعامل مع كل مسألة على حدة.

 

 

02-01-04) لندرس نوعين من المفاهيم الظاهرة. الأولى عند الدراسة المقربة يتضح أنها غير مبررة. لنسميها "واضحة الفراغية". دراسة النوع الآخر لا توصلكِ إلى الوضوح فورا، لا بد من التحليل، ودراسة الحجج، ومضادات الحجج وإلى آخره. لنسمي هذه المفاهيم "بالعملية".

التخلص من المفهوم واضح الفراغية يبدو سهلا جدا، ولكنه في الواقع ليس كذلك. إذ بغض النظر عن أنكِ تفهمين بوضوح خلوها من الأسس، هي موجودة فعلا في هذا المكان، مما يعني وجود سبب لذلك. السبب يمكن ان يكون من التسعة المذكورة سابقا، وبالإضافة إلى ذلك- قلة النشاط والتعود. التخلص حتى من أكثر العادات امانا يتطلب جهودا متتابعة وسعيدة، خاصة إذا كانت هذه العادة مدعومة من قبل عادات أخرى- على سبيل المثال العادة في الشعور ب(ع س) في هذا الموقف. مثلا في الطفولة كنتِ تعتبرين نفسكِ بشعة.  وعندما اقتنعتِ بخطأ هذا الرأي ،وأيقنتِ  بأنكِ تبدين جميلة في نظر شخص معين، وآخر لا يعيركِ اهتماما، استمريت على عادتكِ بالشعور بنفس (ع س) عند التعرف على الشباب، والمفهوم تحول من ظاهر إلى غير ظاهر وبقيت نقطة انطلاق لنشوء (ع س).

 

 

02-01-05) للتغلب على قلة النشاط في وجود المفاهيم واضحة الكذب (أو التي تم اعتبارها  كذلك نتيجة التحليل) أنصح بطريقة المقارنة. أقوم بتكوين فكرة تدحض هذا المفهوم، أي أقوم بتكوين مضاد للمفهوم، وبعد ذلك أقوم بالتدريب الرسمي ( انظري لاحقا في الوحدة المخصصة) –أسأل نفسي سؤالا للمرة المئة- ما الذي أعتبره صوابا، المفهوم أم ضد المفهوم؟ فكرة "إنني بشعة"، أو فكرة "إنني أعجب أشخاصا ،وأشخاصا لا"؟ نتيجة هذا التدريب المصحوب بالتخلص التام من (ع س) التي تظهر نتوصل إلى الهدف المطلوب – تأثير المفهوم واضح الكذب على سلوكي يقل بالتدريج، إلى أن ينتهي كليا.

الطريق الآخر يسمى تدريب الإستبدال التلقائي (اس ت). إنه فعال تجاه تلك المفاهيم واضحة الكذب التي دست فيكِ بالقوة – بالضغط النفسي الغليظ. أمكِ تقف فوقكِ وتصرخ:"هل ستجلسين بأدب ؟؟؟!!!!"، أو العكس- تنظر إليكِ بحزن وكأنها ستبكي الآن: "لماذا تخزينني.....". أنتِ تنكمشين و"تفهمين" – الجلوس بأدب-شيء حسن، التدلل- شيء سيء.

إن تدريب الاستبدال التلقائي يكمن في أنكِ تكررين مضاد المفهوم مرة بعد مرة بصوت عال- على سبيل المثال، على مدى ساعة كاملة، ساعة كل يوم. هذا يؤدي إلى إضعاف ملحوظ للمفهوم، كونه إسفين يضرب الإسفين السابق.

إن هذا التدريب يمكننا كذلك من الوصول إلى النهاية في التخلص من المفاهيم العملية، عندما توصل هي إلى درجة واضحة الكذب أو قريبة من ذلك.

إن مضاد مفهوم "يجب مساعدة الناس" سيكون "انا أريد مساعدة فقط اولئك الذين أريد مساعدتهم، أولئك الذين استلطفهم"، وفي كثير من الحالات يمكننا تشكيل مضادات المفاهيم بمجرد إضافة النفي: "إذا كان يمارس الجنس مع امراة اخرى هذا يعني انه لا يشعر بالحنان تجاهي"- "إذا كان يمارس الجنس مع امرأة أخرى هذا لا يعني أنه لا يشعر بالحنان تجاهي".

يمكن دمج هذا التدريب مع عمل آخر، هذا لا يؤدي إلى انخفاض فعاليته.

خلال حياتنا قمنا بتكرار هذا المفهوم- جهرا أو في أنفسنا- عشرات ومئات الآلاف من المرات، ولكن قوة التأثير الأعمى أقل بكثير، من قوة التأثير الذي تم اختياره بواسطة الرغبة السعيدة، لذلك بضعة آلاف فقط من تكرارات مضادات المفاهيم تصل إلى الهدف، نافين تلقائيا المفهوم واضح الكذب. مضاد المفهوم لا يحل محل المفهوم ولا يتحول إلى عائق، لأنكِ لا تستخدمينه بطريقة عمياء، بل من أجل الوصول إلى هدف معين- استبعاد

الآلية الغريبة.

يمكن القيام بهذا التدريب مع متدربين آخرين- في البداية تقوم واحدة منكم بذكرمضاد المفهوم بصوت عال، ثم تقوم بذلك واحدة أخرى وهكذا، إن الإستماع بوضوح ليس ضروري هنا.

 

 

02-01-06) لنحدد مفهوم "مضاد المفهوم". مضاد المفهوم- هو ادعاء :

أ‌)       ينافي معنى المفهوم الذي تتم دراسته،

ب‌) يخلق ارتباطا ب(أح  م)،

ت‌) يبدو لي في هذه اللحظة أكثر أساسية وصحة من المفهوم.

مضادات المفاهيم لمفاهيم تجريدية (للتعريف انظر لاحقا) قد لا تمتلك صفة "ت)"، لأننا حسب التعريف لا يمكننا إثباتها ولا نفيها. على سبيل المثال يمكنني أن أشكل المفهوم التالي: "لا يوجد مستقبل، يوجد فقط هذا اليوم وهذا المكان". لا يمكنني تدعيم هذا بالدلائل لأن كلمة "مستقبل" لا تعني جملة محددة من الأحاسيس، ولهذا لا أستطيع القول بأنه موجود أو غير موجود، إذا ليس واضحا ما الموضوع الذي نتحدث به، ولكن بما أن هذا الإدعاء يؤدي إلى دفعة من التشوق، وظهور الرغبات السعيدة، والتحرر من ضغط الإهتمامات المختلفة المتعلقة بالتفكير في "المستقبل"، تظهر الرغبة في تنمية مضاد هذا المفهوم. ألا يشكل استخدام مضادات المفاهيم نوعا من خداع النفس؟ سأثبت أنه ليس كذلك. المفهوم الأصلي الذي يقول "يوجد مستقبل، عبارة عن طقم من الكلمات التي لا تعني شيئا، لأنكِ تملكين أفكارا تشمل كلمة "مستقبل"، توجد عواطف تظهر عند سماع كلمة "مستقبل"، توجد رغبات تظهر عند التفكير في كلمة "مستقبل"، ولكن لا يوجد إدراك شخصي تستطيعين  تسميته بكلمة "مستقبل".  أي إحساس موجود في هذا المكان وهذا الوقت بالذات. بهذا الشكل فأنتِ تملكين الخيار- إما الحفاظ على  تلك الأفكار التي على عادتها تسحب خلفها (ع س)، أو تلك التي تنفي الأفكار السابقة، ونتيجة ذلك ستكون عدم ظهور (ع س). ومع ذلك فالفكرة الاولى والثانية عبارة عن مفاهيم تجريدية، أي ادعاءات لا تعني شيئا. بالطبع تظهر الرغبة في الحفاظ على الفكرة -2، وبعدما تقوم هي بتصفير التأثير السلبي للفكرة-1، سأرفض كلا الفكرتين، لانني أفهم بوضوح أن كلمة "مستقبل" لا تعني أي إحساس معين. هذا يعني أنني أبدأ "بتصديق" مضاد المفهوم، وأستخدمه كآلة فعالة. عندما توّلدين زوج المفهوم- مضاد المفهوم، تتحررين من التلقائية المفروضة عليكِ، وفي حالة المفاهيم اليومية يمكنكِ بالإضافة إلى ذلك الحصول على الخبرة، التي ستستطيعين بوساطتها الميل إلى وجهة نظر معينة بشكل مفهوم أكثر، أو تقومين برفض الاثنتين.

إذا احتوت إحدى كفتي الميزان على مفهوم وضعته أنا  فيها في حالة عدم الوعي، والذي انتقل إلي تلقائيا، فأنا أريد في البداية أن اعادله بضد المفهوم، وثم أدرس الاثنين في حالة تحررمن الإعتقادات و(ع س).

بعض الجمل التي تحتوي على كلمات لا تعني بالنسبة لي شيء محدد، ترتبط مع (أح  م) ( أي تحدث دفعة من (أح  م))، لذلك انطلاقا من معتقدات تكتيكية سأبقيها لفترة معينة في القاموس.

حتى رياح خفيفة تستطيع ان تهدم شجرة ضخمة مالت تحت أثر ثقل نفسها. المفهوم قد يعارض الفهم الصواب والرغبات السعيدة على مدى سنوات عدة، ولكنه في لحظة معينة ينهدم بنفسه. يمكنكِ على مدى 30 سنة ان تعيشي  وتتعاملي مع اقاربكِ لأن "هذا ما يجب فعله"، "هذا هو الشيء المعتاد عليه"، وليس مع أولئك الأشخاص الذين ترغبين في العيش معهم بالفعل. يمكنكِ على مدى 30 سنة أن تسلمي على الأقارب، تتحدثين  معهم عن الطقس والعمل، لأنه "ليس لائقا أن ترفضي ذلك". وفي لحظة معينة سيصل التسمم من هذا الكذب والخوف المستمر من العلاقة السلبية إلى درجة واضحة جدا، ستزداد الأزمة إلى درجة أنه سيكفي سماع مضاد المفهوم ولو بطرف الإذن لانفجار هذه القرحة بالوضوح : "يمكنني العيش بشكل مختلف!" الجبل المزعزع يسقط.

المفاهيم الأخرى تحتاج إلى العمل الدؤوب قبل أن تتساقط، ولكن هذا العمل- ليس من أجل منافع المستقبل، فأنتِ تحصلين على النتائج مباشرة، في نفس اللحظة التي تتوصلين فيها إلى زيادة نسبية للوضوح. بعد كل سلسلة من الإستبدال التلقائي، بعد كل دراسة للحجج التي "توافق" و"تعارض" يظهر تيار من الوضوح، هذا يرتبط مع أحاسيس مشرقة أخرى، وخطوة بعد خطوة تقتربين من تحقيق الرغبات السعيدة- إلى التحرر من (ع س) والغباء، وتنمية وتطوير (أح  م).

 

 

02-01-07) الوضوح في وجود المفهوم قد يختفي بعد دقيقة، وسيفلت المفهوم من جديد إلى مجال المفاهيم غير الظاهرة- ستنسين اكتشافكِ. يمكنكِ التأكد من ذلك بسهولة- حاولي الآن تعداد كل المفاهيم التي اكتشفتها في نفسكِ، حتى في أحسن الاحوال لن تتذكري إلا القليل منها. هذا يعني ان كل المفاهيم التي لم تتذكريها الآن تخرج عن تحكمكِ، عن ملاحظتكِ، وربما تؤثر عليكِ اللآن بقوتها السابقة.

عند الحصول على الوضوح تصلين إلى حالة غير عادية بالنسبة لكِ، لم تعتادي بعد على التواجد فيها، ولذلك تبدأين بالزحف بسرعة(أحيانا خلال بضعة ثواني) إلى الحالة العادية، التي لم يكن فيها وضوح. كثيرا ما تقومين بنفس الإكتشاف أكثر من مرة، قبل أن تصلي إلى الوضوح الثابت، لذلك أنصح بعمل قائمة بمفاهيمكِ وتعبئتها عند كل اكتشاف جديد. هذا يسهل ليس فقط عملية القيام بتحليل المفاهيم، بل كذلك عملية البحث المترابط عن المفهوم المسؤول عن (ج س) الحالي- تاخذين القائمة وتمرين بكل موقف.

في حالة العمل الفكري التلقائي لن يظهر وضوح (أح م) ، وإذا توصلتِ مرة إلى نتيجة معينة  ،في المرة القادمة ستصلين إليها نفسها، دون الشعور بشيء جديد، في حين  أن وضوح (أح م) يكون جديدا في كل مرة، حتى لو تم وصفه بجملة معروفة لكِ.

الاشخاص العاديين لا يتوصلون أبدا إلى الوضوح، بل يستبدلون مفهوما بآخر فقط- في البداية يصدقون شيئا، وفيما بعد شيئا آخر. إن إيجاد شخص كان  يتوصل إلى الوضوح وليس فقط يقوم بإيجاد استنتاجات حسب قوانين المنطق، صعب كإيجاد شخص يملك خبرة في التخلص من(ع س)، وليس في استثنائها بعاطفة أخرى.

 

 

02-01-08) لنقم الآن بتقسيم المفاهيم حسب محتواها. الأنواع المختلفة من المفاهيم تختلف في قوتها، في استقرارها، ودرجة ونوعية اندماجها مع كتلة المفاهيم، وكثيرا ما ينتج انه من العاقل اتباع طرق مختلفة للتعامل مع الأنواع المختلفة، لذلك فمسألة التقسيم الدقيق للمفاهيم بما في ذلك تقسيمها حسب معناها ستكون ممتعة وفعالة.

طبقتين كبيرتين-المفاهيم  "التجريدية" و"المختلطة".

المفاهيم التجريدية – عبارة عن ادعاءات مكونة من كلمات لا تعبر عن أحاسيس محددة، أي عدم واضحة المعنى. على سبيل المثال : "العالم دائم". أنتِ لا تفهمين أبدا ماذا تعني كلمة "دائم" وكلمة "عالم"- أنتِ لا تملكين تلك المجموعة المحددة من الأحاسيس التي تعبرين عنها بهذه الكلمات. أو مفهوم: "أنا- إنسان". لا نفهم ماذا تعني كلمة "أنا" ، ولا كلمة "إنسان"، ومع ذلك فالكل بالطبع متأكد أنه "إنسان". أمثلة أخرى: يوجد ما هو متغير، يوجد غير المتغير، توجد البداية، وتوجد النهاية، يوجد التفتح، ويوجد الظلال، توجد شخصية، ويوجد موضوع، يوجد الحي، ويوجد الميت، يوجد شيء، ويوجد آخر، يوجد وجود، ويوجد عدم الوجود، يوجد الوعي، وما هو خارج عن الوعي، يوجد النشيط، ويوجد غير النشيط، يوجد أنا، ويوجد أنت، يوجد الكامل، ويوجد أجزاء، يوجد الماضي،ويوجد الحاضر، ويوجد المستقبل.

 المفاهيم المختلطة- عبارة عن ادعاءات اختلطت فيها الكلمات عديمة المعنى مثل "الخلود"، "اللياقة"، "النظام الفضائي"، "الإله" مع مصطلحات تعبر عن أحاسيس، وممنوعات، ودوافع محددة،مثلا "الخجل"، "ممنوع"، "افعل"، "يجب عليك" وإلى آخره. على سبيل المثال- "العدل يتطلب مني القيام بهذا وذاك". معنى "العدل" لا يعرفه أحد، ولكن معنى "القيام بهذا وذاك" مفهوم. أو "من المخجل أن أكون سيئة". معنى سيئة- غير مفهوم، ولكن معنى "الشعور بالخجل" مفهوم . إن الأشخاص يتحللون بأنفسهم بتقرح بكل معنى الكلمة بواسطة كم هائل من المفاهيم المختلطة. إن المفاهيم المختلطة تؤثر بشكل مميت على القدرة على الشعور ب(أح  م)( بما في ذلك الرغبات السعيدة)، لأنها تنظم حياتكِ بقسوة، ولكن معنى هذا التنظيم غير مفهوم.  تخيلي في البحث الجنائي قانونا يؤيد "الطبع السيء" دون أي تفسيرات. أو قانونا يؤيد "عدم اتباع القوانين الإلهية". تخيلي الفوضة التي كانت ستحدث لو أن السلطات التشريعية اتبعت هذه القوانين في الحكم، والسلطات النفيذية نفذت هذه القوانين؟ هذا ما يحدث في حياتكِ اليومية. المشرع(المفهوم) يقول: "مخجل أن تكوني عارية"، المنفذ (الرغبة التلقائية)يحكم: "نفذي حالا"، الرقباء(عواطف الخجل، الخوف من الاستنكار وإلى آخره.) يراقبونكِ لتقومي يتنفيذ الحكم بإطاعة. في النتيجة- فوضى عارمة، تجمّع من (ع س)، عدم وجود الرغبات السعيدة، مما يعني عدم وجود التغيرات التي تؤدي إلى الحالات التي ترغبين بها.

التقسيم اللاحق للمفاهيم يعتمد على مخيلتكِ. على سبيل المثال يمكن تقسيم المفاهيم المختلطة إلى :

*) المفاهيم اليومية

*) مفاهيم عن التدريب

*) المفاهيم الإجتماعية

*) المفاهيم الأساسية

*) المفضلات التلقائية

*) الهموم

*) التقييمات

*) الاهداف التلقائية

*) التقييمات التلقائية

*) التفسيرات التلقائية

 

المفاهيم اليومية- عبارة عن ادعاءات تنظم الحياة في بيتكِ. "الأغراض في الخزانة يجب ان تكون نظيفة"، "لا يجوز تناول الطعام على الأرض"، "يجب أن تستيقظي في الصباح الباكر ولا تستلقي كثيرا"، "يجب احترام الكبار" ، "يجب توفير النقود"، " يجب التعامل بمحافظة مع الأغراض"، "يجب أن يكون لكِ هدف واضح في الحياة وتسعين إليه" وإلى آخره.  كل المفاهيم اليومية تتعامل مع مصطلحات "يجب"، أو "ممنوع"، "سيء" وإلى آخره. بطريقة ظاهرة أو مخفية. ماذا تعني كلمة "يجب"، "لا يجب"، "جيد"، "سيء"، لماذا هذا الشيء ممكن وهذا غير ممكن- لا نعرف، ولا أحد يفكر في هذا.

يمكننا تشكيل مفاهيم بالإعتماد على  تدريبي بشكل مشابه للمفاهيم اليومية :"يجب التخلص من (ع س)"، "سيء ان تكوني تفسيرية" وإلى آخره. تدريب الطريق المباشر – هو بذل الجهد للوصول إلى الرغبات السعيدة،أي تلك المصحوبة بالحماسة، بالتشوق، و(ع س)الأخرى، بشرط أن تكون هذه الرغبات تابعة لإحدى الطبقتين: 1)التخلص من اليأس( (ع س) ،المفاهيم، الرغبات التلقائية (أي غير السعيدة)، الإحساسات السيئة، الوعي التلقائي المتميز) 2)توليد (أح   م) (انظري إلى القائمة في وحدة "استراتيجية التدريب الفعال"). إنني أنصح باتباع (أح  م) في كل الحالات، ولكن إذا كانت لا تتبع لإحدى هذه الطبقات، فهذا ليس تدريب الطريق المباشر حسب التعريف، يجب إعطائه أي اسم آخر، على سبيل المثال "الطور التمهيدي".

 

المعاهد الإجتماعية- مراكز تسجيل عقد الزواج والولادة والوفاة، المحلات التجارية، الشرطة، الموظفين في الشغل وإلى آخره.

من أجل التعامل الفعال مع المفاهيم لا بد من إفراد قائمة من الأمراض المفهومية الأكثر صعوبة والتي تثبتت في الإنسان لدرجة أن مجرد الإشارة إليها دون دراستها الإنتمائية والتخلص منها، تشكل مهمة صعبة جدا، بسبب طيف العواطف السلبية (ع س)الذي يظهرعلى الفور- (ع س) المقطِعة والضاغطة. إنني أسمي هذه المفاهيم "بالأساسية". وبسبب الكم الهائل من (ع س) المرتبطة بها، فإن المتدرب قد لا يستطيع أصلا  أن يكتشف هذه المفاهيم في نفسه! لذلك من العاقل هنا اللجوء إلى متدربين آخرين، حتى يقوموا هم "بمراجعتكِ" بطيف المفاهيم الأساسية المعروفة لهم، مراقبين أثناء ذلك ردة فعلكِ. إن ما يسهل هذه المهمة هو أن كل وقت، وكل حضارة تتميز بمفاهيم أساسية مثالية.

التفضيلات التلقائية- طقم من الأفكار في موضوع "لكان جيدا لو كان هكذا". وانتِ بالطبع عادة لا تتفكرين لماذا لكان هذا "جيدا" ،بل تتصرفين وفق مخطط معروف، لا تحللين – ماذا نتج في المرات السابقة عندما حصل ما كنتِ تعتبرينه "جيدا".

التفضيلات غير التلقائية- هي افتراضات مبنية على التخطيط: "بسبب تلك الظروف وتلك القوانين المعروفة لي ،أنا أفترض أن تلك الأحداث تملك فرصة عالية للوصول إلى النتيجة المرغوبة."

الإهتمامات- حالة خاصة للتفضيلات التلقائية- طقم من الأفكار في موضوع "كم سيكون فظيعا لو حصل كذا وكذا"، "أعوذ بالله من حدوث هذا". إنها مصحوبة ب(ع س) مطابقة لها. وأثناء ذلك أنتِ لا تقومين بتحليل التغيرات التي حدثت بعد ما حصل ما كنتِ تخافين منه. إذا قمنا بتشكيل قائمة من مواقف كهذه يمكننا أن نكتشف بسهولة أن الحياة بعد هذه الأحداث كانت تتغير بطريقة تجعلكِ تفكرين " جيد أن كل شيء حصل هكذا بالذات".

التقييمات- عبارة عن وصف مجموعة معينة من الأحاسيس وفق تدريج معين. التقييم التلقائي يظهر عندما يكون التدريج الذي اخترته إما عديم المعنى،أي غير مبني على تحليل خبرتكِ الشخصية بل منتقل إليكِ تلقائيا، أو غير موجود أصلا والتقييم عندها يتم بالإعتماد على العادة ،أو بهدف الحفاظ على (ع س). إذا ظهر التقييم نتيجة رغبة سعيدة، واعتمادا على تفكير صائب وواضح ،عندها لا يتحول إلى جدول قاسي مقيدة  بمجموعة أحاسيس، وتستطيعين عندها التخلص منه في أي وقت، وهذا يجعل مجموعة التفسيرات مرنة، ويترك لكِ الخيار في التغلب على الإدراك التلقائي الذي يقوم بالتمييز.

الأهداف التلقائية- طقم من الأفكار حول موضوع "يجب علي أن أتوصل إلى هذا"، "يجب التوصل إلى هذا". وعندها أنتِ لا تقومين بتحليل التغيرات التي حصلت بعد تحقيق الأهداف التلقائية السابقة. إذا قمتِ بهذا التحليل ستكتشفين بسهولة أنكِ غالبا ما كنتِ تشعرين باليأس، كنتِ تحصلين ليس على ما توقعتِ الحصول عليه.

الأهداف غير التلقائية- عبارة عن أفكار من نوع "إنني أريد تحقيق رغبة سعيدة معينة". لا تخلطي بين  الأفكار والرغبات! توجد الرغبة في الخروج للتنزه، وتوجد فكرة "أريد أن أخرج للتنزه". خلال عملية تحقيق الرغبة السعيدة (أي الوصول إلى الهدف غير التلقائي) أتتبع وجود صلة بين هذه الرغبة السعيدة والرغبات التي نسميها "وسائل لتحقيق الرغبات ".

الأفكار تنتمي إلى نفس صف الأهداف هذا، والذي نسميه "الأهداف الانتقالية"، التي تطابق الرغبات التي نسميها "وسائل". إذا وجدت الرغبة في أكل البيض المقلي، توجد فكرة "أريد ان أطبخ بيضا مقليا"

 وفكرة-هدف انتقالية "(بسبب ظروف معينة (والتي تشمل الرغبة السعيدة، ووجود الفرن وإلى آخره) وقوانين خاصة معروفة لي) يجب علي تشغيل الفرن". إن التخربط في هذه المسألة يظهر لأن كلمة "هدف" في لغتنا تستخدم لوصف الأفكار والرغبات في آن واحد. عند التخلص من هذا الإختلاط يصبح من السهل جدا الوصول إلى الوضوح.

التقييمات  التلقائية- عبارة عن طقم من الأفكار حول موضوع "كان لا يجب عليه فعل ذلك"، "إنسان طيب". التقييمات غير التلقائية- أفكار من نوع "بسبب تصرفاته هذه وهذه أنا أملك أساسا لافتراض أنه شعر بكذا وكذا"، "بما أنه يتصرف بهذا الشكل،  أنا أصف تصرفاته بأنها كذا وكذا".

التفسيرات التلقائية تعتمد على الزيادة غير المتعمدة عن الحد، أو على العادة التلقائية، أو أن سببها (ع س)، ولكنها لا تعتمد على التفكير. على سبيل المثال، إذا دخلت الغرفة وبدأت بالصراخ قد أشعر أنا بالزعل، وسأختار تفسيرا يدعمه :"إنه وقح". ولكن إذا كنت أنا إنسانا ذو تفكير صائب سأفهم أنه من الممكن وجود مجموعة كبيرة من التفسيرات- أنتِ تقومين بإجراء تجربة معينة، أو أن هذه مزحة، أو أن الصراخ موجه ليس تجاهي وإلى آخره. وبالإعتماد على الموقف والقوانين المعروفة لي سأستطيع في النهاية أن أحدد - ما الإفتراض الأكثر صحة. وبعد ذلك سأستطيع أن أسألك أسئلة، أنظر إلى تصرفاتك وأعدل التفسير، إذا وجد أساس لذلك.

 

 

02-01-09) سأدخل مفهوم "الاهداف القوية"- تلك التي يجعلكِ تحقيقها أكثر سعادة في رأيكِ- أن تنهي الجامعة، أن تتزوجي،أن ترتقي في الوظيفة، أن تتعلمي  اللغة اليابانية،أن تمارسي الرياضة لتنمية عضلاتكِ وإلى آخره.

عدم تحقيق هذه الأهداف تصاحبه الشفقة على النفس، وأفكار من نوع "لو أنني حققتها لكانت هذه هي الحياة...". إن تحقيق هذه الأهداف بالطبع لا يجعل أحدا أكثر سعادة، ومن السهل التحقق من ذلك عند النظر إلى هؤلاء الذين حققوا أهدافا، أو حتى عند النظر إلى نفسكِ، وعندهاتقومين بتشكيل أهداف جديدة ، وهي مرة أخرى لا تجعلكِ سعيدة، فتقومين بتبرير وتفسيرهذا من جديد، تضعين أمامكِ أهدافا أخرى وهكذا إلى أن تموت الرغبات السعيدة نهائيا، وتموتين أنتِ معها من كبر السن وفقدان العقل في الشيخوخة.

إن الأشخاص في العادة يضعون أمامهم أهدافا قوية بسبب غريزة القطيع، أو بسبب المفاهيم، أو (ع س)، أو الرغبة في التملك، والرغبة في الشعور بالأهمية الشخصية(ش أ ش)، والرغبة في خلق انطباعات لدى الآخرين،والشعور بالرضا، دون الإهتمام بدراسة حياة أولئك الذين توصلوا إلى هذا الهدف، للتفكير- ما الطريقة التي سيجعلهم بها هذا الهدف أكثر سعادة. خلال عملية الوصول إلى الأهداف القوية يمر الناس عادة بكل طيف (ع س) المعروفة لهم.

إذا كان سبب أهدافكِ هو الشعور بالأهمية الشخصية (ش أ ش)، والرغبة في خلق انطباعات معينة، عندها فإنكِ تدرسين اللغات بحماسة، تقرأين كتبا مختلفة، تزيدين فهمكِ في أمور مختلفة، تتعلمين التصريح، الإستهواء، الرواية، تصبحين موسوعية، وتستطيعين تعليم الآخرين، وإعجابهم بمعارفكِ وقدراتكِ، تكتبين الكتب... وبالطبع أثناء هذا تشعرين بكم هائل من (ع س) وتنهين حياتكِ مرة أخرى في حالة فقدان العقل وفراغية كاملة، مع رأس مليء بالأرقام، والحقائق والنظريات، وقلبٍ قد تحول إلى مجرد عضلة وفق قوانين علم التشريح، ودماغ تحول إلى ذلك أيضا.

الإنسان الذي توجهه الرغبات السعيدة يضع كذلك أمامه هدف، ولكنه يشعر بالسعادة والمتعة الآن،  في كل لحظة خلال عملية التوصل إلى هذا الهدف - هذه هي صفة الرغبات السعيدة، والوصول أو عدم الوصول إليها لا يغير حقيقة أنه يشعر بالمتعة من الحياة.

إنني أطلق اسم الأهداف الضعيفة على تلك التي يضعها الناس أمامهم ليصبحوا أصماء، لينسوا الملل والرمادية – إنها عبارة عن علامات يضعونها في الفراغ ليتخيلوا أنهم يسيرون في اتجاه معين. أمامهم فراغ تام، ولكن من الذي سيجد في نفسه القوة للإعتراف بذلك؟ وعندها يرمون في هذا الفراغ  شيئا معينا، ينغرس في مكان ما وهم يتبعونه ويحصلون على الراحة المخدرة والغبية في أثناء سيرهم، هذه الراحة تتداور مع أزمات حادة من الحزن وعدم وجود معنى للحياة، وفي النهاية يحصلون أحيانا على ارتياح ميت لحظي، عندما يصلون إلى الهدف، وهكذا يستمرون في الدوران في هذه الحفرة اللانهائية. على سبيل المثال أنت تنظر في قائمة برامج التلفاز وترى - اليوم توجد كرة قدم، تشعر بالإرتياح، لأن مساء هذا اليوم قد امتلأ لديك- يوجد هدف. وبعد ذلك ستتصل مع صديقك وتذهب من زوجتك لزيارتهم- تشربون البير وتتحدثون في مواضيع مختلفة، وفي الصباح هناك أعمال تنتظرك في العمل، ولذلك لا يوجد ما تفكر به- إنه هدف مفهوم تماما، وهو سينيمني من يوم الإثنين إلى الجمعة، ويوم الأحد سنذهب إلى السينما، والآن سأذهب لتناول العشاء لذلك فإنني مشغول في الساعة القادمة. إن كل هذا عبارة عن أهداف "ضعيفة"، ولكن الخروج من قبضتها صعب جدا. لقد سميتها "بالضعيفة" لأنها لا تظهر على شكل دفعة مشرقة- بل تلتف حولك كالضباب، وتقبض عليك بقبضة مميتة. إن الحياة اليومية لإنسان عادي لا تمر دون أهداف ضعيفة. لا يوجد وقت يكون فيه غير مشغول بشيء، وإذا ظهر وقت كهذا يظهر الملل والهم مباشرة، وإذا لم يقم بإيجاد ما يفعله في هذا الوقت، فإن (ع س) ستنمو لتصل إلى شدة غيرمحتملة. متى كانت آخر مرة كنتِ تجلسين او تتجولين أو تستلقين دون أن يكون أمامكِ أي هدف؟ مجرد التأمل في السماء، أو التجول في الغابة، والتحرر من الافكار؟ إن الكم الهائل من الأهداف الضعيفة يحول حياتكِ إلى خليط ميت عديم الطعم. حاولي التواجد بين الناس دون فعل شيء. أن ردة الفعل ستكون مباشرة وعدوانية - فهم سيبذلون كل جهدهم ليرجعوكِ إلى حلقة القيام ولو بأي شيء، مستخدمين كل ما هو متاح لهم من وسائل - الإستهزاء، الإستنكار، الإقناع،

الموقف السلبي(م س)، العنف المباشر. يجب ألا يتوقف أحد، أبدا. الكل يجب ان يدور في الحلقة، الكل يجب ان يملك مشاكل. أنه قانون غير مدون في المجتمع الذي نعيش فيه. لا أحد سيتحرر من السلك الشائك بسهولة، وأحد أهم الحراس- مفاهيمكِ الخاصة ومخاوفكِ الشخصية، إذ من المخيف جدا -  أن تعترفي بصراحة أن كل أهدافكِ – فارغة، كل اتجاهاتكِ تدور في حلقة مغلقة، كل مدخراتكِ وانجازاتكِ لا تغير شيء في الطريقة التي ستعيشين بها هذه اللحظة- هل ستشعرين ب (ع س) أم (أح م). إن تدريب التخلص من الأهداف الضعيفة تكون في البداية مصحوبة بصدمة، كتلك التي يشعر بها المدمن على المخدرات عندما لا يحصل على الجرعة، بدفعة قوية من (ع س)والرغبات المتقلبة، ولكن بعد التغلب على هذه "الآلام" تظهر (أح م) من الإمتلاء، الكمال. الرغبات السعيدة، التنبؤات و(أح م) الأخرى ،التي تستيقظ عند التخلص من الأهداف الضعيفة، ليس فقط لا تناقض، بل ترتبط بهذا الكلية.

الأعمال التلقائية تملأ الحياة كليا، وتجعلها رمادية وعديمة المعنى، وتدمير هذه الحلقة وإن كان صعبا ولكنه ليس مستحيلا، إنها مسألة جهودكِ السعيدة. انظري إلى حياتكِ خلال الساعة الأخيرة واخبرينا : ألم تكوني مشغولة بشيء؟ ألم تقفز الأفكار من جهة إلى أخرى؟ كم دقيقة في اليوم تعانين من عدم تحرركِ من المفاهيم، (ع س)، والرغبات التلقائية؟ كم دقيقة في اليوم تقومين بيأس ببذل الجهود للشعور بالأحاسيس المشرقة؟  كم دقيقة في اليوم تكونين مغمورة كليا برغبة لا تستطيعين التغلب عليها في الشعور ب(أح م)؟ ومع كل هذا فأنتِ تأملين الحصول على شيء؟ أنتِ تفكرين في البحث،في الحقيقة وفي الحب؟ إنه غباء واضح. إذ حتى إذا أردتِ تعلم اللغة الإنجليزية يجب عليكِ تكريس نفسكِ لهذا بشكل جدي ولمدة طويلة. فلماذا إذا يعتقد الناس أنه من أجل التحرر من الكآبات وتعلم الشعور ب(أح م) يكفي التحدث في ذلك أحيانا أثناء شرب كأس من البير. لن يتغير فيكِ شيء إذا لم تقومي بتكريس نفسكِ لبحثكِ هذا، لتدريبكِ - يوم بعد يوم، ساعة بعد ساعة، دقيقة بعد دقيقة. هل يجب شرح هذا؟  يوم بعد يوم تشاهدين التلفاز، تمارسين الجنس، تنظفين الغرفة، تطبخين، تحلمين بدخل كبير، بسيارة رائعة ولباس أنيق، تأكلين زيادة عن حدكِ، تمارسين الرياضة لتنمية عضلاتكِ، تنمين تفكيركِ، شاعرة باستمرار ب(ع س) أو (ع إ) ، ولكن أين السعي إلى التحرر من الكآبات، وإلى الشعور ب(أح م)؟ أنتِ تعملين 10 ساعات في اليوم، من أجل جني الأموال لشراء الخبز، ولكن هل من أجل الخبز؟ أم من أجل زجاج البلور- الثريا- الأثاث- السيارة- بيت خارج المدينة – تدلعات الزوجة- حسد الزملاء؟ وبعد ذلك يقوم هذا الإنسان ذو ملامح وجه متكبرة بالتحدث عن عدم إمكانية الإمساك بالحقيقة! يمر الوقت، ويقوم الناس باستبدال أهداف معينة بأخرى بغض النظر عن كونهم يحققون هذه الأهداف أم لا. إن هذا التداور اللانهائي لا ينتهي أبدا. لا ينتهي الأمل غير المحدد "العيش لوقت معين ثم العيش من أجل نفسك"، ولكن هذا لن يحدث أبدا من تلقاء نفسه، ولا أي رغبات تلقائية غير سعيدة ستوصلنا إلى هذا. أولا ،الأعمال لا تنتهي أبدا. ثانيا، في تلك اللحظة عندما يفهم الإنسان عدم وجود معنى لأهدافه السابقة يحيط به الرعب، ويبدأ بالبحث السريع عن هدف جديد. ثالثا، عندما تسنح له الفرصة "للعيش من أجل نفسه " ولو لفترة بسيطة يتضح أن الناس لا يفهمون أبدا كيف هو "العيش من أجل النفس" ،إذ أنهم ما عادوا يملكون رغبات سعيدة! وعندها يختلقون "هوايات"- نشاطات تمكنهم من الشعور بسعادة الإمتلاك أو خلق انطباعات لدى الآخرين، وهذا لا محالة يؤدي إلى (ع س) جديدة، وإلى أهداف تلقائية جديدة.

أنا أقدم طريقة للخروج من هذه الدائرة المغلقة – بالتخلص من العوائق المفهومية، باتباع الرغبات السعيدة، أي تلك المصحوبة بأحاسيس مشرقة- العطف، التنبؤ، الشعور بالجمال، السرية، التطلعات وإلى آخره. أي هدف تكون في انعزال عن الرغبات السعيدة، وغير مرتبط بها، لن يؤدي سوى إلى (ع س). تحولي إلى صياد- تحرسي، ترقبي حتى أضعف وأصغرالرغبات السعيدة، قومي بتحقيقها، وعندها ستبدأ هي بالإزدياد، بالتعمق، بالإتساع، باستثناء الأحاسيس الكئيبة، وجذب الأحاسيس المشرقة. مقياس التحرر من الأهداف المفهومية- التنبؤ، الإعجاب بالشعور بسرية كل لحظة.

بغض النظر عن المكان وعن الوقت- مليارات من الناس  يسيرون في نفس الطريق: الولادة - الإدخار – الإمتلاك – الموت. وقت الفراغ يصبح مرهقا لدرجة كبيرة، إذ أن هذا يعني مواجهة مشكلة :"بماذا أشغل نفسي"، لذلك كل واحد يسعى بسرعة إلى إشغال كل وقته بأي شيء. وإذا أصبح الإنسان خارج الأعمال لفترة معينة فإنه يشعر أن العالم حولة يركض إلى الأمام بسرعة، يشعر بأنه على جانب الطريق،فيقفز في أول سرج حصان يجده أمامه ويركض ورائه. هكذا يمرون بسرعة ويرتفع ويرقد خلفهم الغبار.

 

 

02-01-10) من بين التفسيرات يمكننا إفراد تفسيرات المعنى، الروابط، التخصيصات وغيرها في فصل خاص، وفي فصل آخر- تفسيرات المواقف، وهذه يمكننا تقسيمها إلى تفسيرات تصرفات الأشخاص الآخرين، تفسيرات "تصرفات الأشياء"، تفسيرات تصرفكِ أنتِ وهكذا.

عندما أفهم أن الظاهرة – ليس إلا ظاهرة،وليس "ظاهرة من أجل شيء ما"، وليس "بسبب"، فهذا يسهل عملية التخلص من التفسيرات التلقائية. إن بعض الأشخاص يعتقدون بكل جدية أن النجوم موجودة من أجل شيء ما، وأن أوراق النباتات تنمو "من أجل تكوين الكلوروفيل". إنه أقصى نمط من التفسيرات التلقائية، ولكن الكثيرين يعانون منه. الأحاسيس التي نسمي تجمعها ب"ظواهر العالم المحيط بنا"، مجرد موجودة، ولا يوجد إحساس "حسن الخلق"، ولا إحساس "العدل"، ولا إحساس "المعنى"، لأن إيجاد "معنى" في شيء ما يعني إدخال تفسير"الهدف" أو "الفائدة"، وهذا ليس إلا مجرد اختلاق، لأنه لا احد يملك إحساس "الهدف". سهل جدا فهم هذا بمجرد التفكيرفيه، ولكن يصعب التخلص من العادة المرضية في البحث عن "معنى"،عن "هدف"، عن "رابطة سحرية"، عن "عقاب" وشياطين أخرى في كل شيء. أن عصرنا يعتبر عصر عدم الإيمان، وهذا بالطبع غير صحيح، لأن أذهان الناس مليئة بالخرافات البدائية، بإيجاد "المعاني"، "الروابط"، "العلامات"، "والمفاهيم".

لنناقش على سبيل المثال "الرابطة". إذا كبست كبسة على لوحة المفاتيح سيظهر حرف على الشاشة. هذا ما يعنيه الناس ذوو التفكير الصائب عندما يقولون انه "توجد رابطة" بين الضغط على الكبسة وظهور حرف على لوحة المفاتيح، ولكن بما أن كلمة رابطة في حياتنا اليومية تعني كذلك شيئا ملموسا – حبلا، سلسلة، يظهر خلط في المفاهيم (لهذا السبب أنا أرى أنه ليس صحيحا ان نستخدم كلمة "رابطة" هنا وأنصح باستبدال هذه الكلمة بكلمة أخرى)، وفي النهاية يبدأ الناس بالتصديق بأنه توجد "رابطة" بين الضغط على الكبسة وظهور الحرف على الشاشة، وهذه الرابطة عبارة عن شيء مادي، عن مجموعة من الأحاسيس، في حين أنه لا توجد مثل هذه الأحاسيس ،وكلمة "رابطة" تشير إلى ذلك الشيء الذي وصفناه بها، وذلك الشيء الذي يأتي بعد إحساس "أنا أضغط على الكبسة" عبارة عن إحساس "يظهر حرف على الشاشة". عندما يكون هذا الفهم غير موجودا (وهو غير موجود عند الكل)، تبدأ المفاهيم الأخرى بالنمو – مفاهيم عن القدر والعقاب. 

أن مثل هذه التفكيرات قد تبدو صعبة جدا، ولكن عند دراستها جيدا لن نجد فيها شيئا صعبا – يصعب فهم هذا في المرة الأولى فقط، وحتى هذه الصعوبة تكمن ليس في التفكير نفسه، وإنما في التغلب على تيار تتمات الأحاسيس غير الموجودة ـ في التغلب على الخوف من العيش دون اوهام. وعندما يأتي الوضوح فهو سرعان ما ينتشر بسهولة إلى المواقف المشابهة الاخرى، ويتضح انه شيء رائع – الحصول على الوضوح.

سأعرض مثالا لحوار مثالي:

-        توجد صلة بين الأم وطفلها.

-        كيف تشعر بها؟

-        لقد كان في حالة سيئة الأمس، وأنا كنت في حالة سيئة كذلك.

-        هذا يعني أنه يوجد إحساس بكلماته، أنه كان بحالة سيئة، إحساس بتصرفاته التي تفسرينها "كان في حالة سيئة"، وأحاسيسكِ التي تسمينها "أنا في حالة سيئة". ولكن ماذا تعني عبارة "حالة سيئة"؟ هل يوجد يقين بأنكم تطلقون هذه العبارة على الشيء نفسه؟ هل يوجد يقين أن "الحالة السيئة" لديكِ لم تظهر من مجرد عادتكِ في الشعور بهذ "الحالة السيئة" عندما يكون هو "بحالة سيئة"؟ ترينه حزينا ويظهر لديكِ شعور بالشفقة تجاهه – كلاكما تشعران "بحالة سيئة". ولكن أين الإحساس "بالصلة"؟

-        هذه هي الصلة بيننا – هو في حالة سيئة، وأنا في حالة سيئة.

-        هذه ليست "رابطة"، إنها مجرد عادة في الشعور بأحاسيس خاصة في ظروف معينة.

-        لا، إنها رابطة، لقد كان هو بحالة سيئة، وأنا كذلك كنت في حالة سيئة.

وهكذا إلى آخره في حلقة دائرية. يصعب وصف هذا، إذا لم توجد جهود خاصة للوصول إلى الوضوح.

أما فيما يتعلق بتفسير سلوك الأشخاص الآخرين فيحدث نفس الشيء. الأشخاص وتصرفاتهم – أنتِ ترينها على أنها مجموعة خاصة من أحاسيسكِ الشخصية التي لا تسطيعين أن تقولي شيئا عنها سوى أنها موجودة.

طار عصفور – هل سيخلق هذا لديكِ (ع س)؟ لا، لأنكِ تعودتِ على اعتبار هذا "ظاهرة طبيعية" (وهذا على أية حال عبارة عن مفهوم غير جسدي). إنسان في الطريق يسب ويشتم. هل سيخلق هذا (ع س)؟ طبعا، لأنه هنا تعمل عادة أخرى، لأنكِ لا تعتبرين هذا "ظاهرة طبيعية"، أنتِ تمنحين هذا الإنسان "إدراكا" و"إرادة" (وهذا عبارة عن مفهوم غير جسدي) ولهذا تعمل هنا أشكال أخرى من السلوك، بمعنى آخر تظهر

(ع س). وإذا كنتِ تفهمين أن الإحساس بإنسان يسب غاضبا هو مجرد مجموعة من أحاسيسكِ الشخصية التي تسمينها "ظاهرة من ظواهر العالم المحيط بكِ" (وهذا على أية حال عبارة عن مفهوم غير جسدي) فردة الفعل الكامنة في ظهور (ع س) قد لا تظهر. عندما تجري تجاهكِ موجة بحر، تجلسين ملتفة حول نفسكِ وتقاومينها – هل تكرهينها أثناء ذلك؟ لا، بل قد تشعرين بالفرحة، بالإعجاب، بالإبتهاج، مع أنكِ تفهمين أن الموجة قد تضربكِ وبقوة، وأحيانا تكون الموجات قاتلة. عندما يهاجمكِ شخص سكران، تقومين بنفس الشيء تجاهه – تقاومينه- ولكن على عادتكِ تقومين بتفسير تصرفه على أنه ليس نتيجة تجمع تلقائي من الرغبات في هذا الموضع، بل تقومين باختلاق "هو" معين، وبما أنه يوجد مفهوم بأنه "هو" "يجب أن"، تشعرين ب(ع س).

تؤمنين بأن أقاربكِ يمتلكون صفات خاصة تميزهم عن الأشخاص الآخرين، تجعلهم "أقرب" إليكِ. ولكن لا يوجد إحساس ب"رابطة القرابة"، أنتِ تختلقينها وبعد ذلك تتبعين القوانين المبنية على هذا التخيل. ماذا ينتج من أن هذه المرأة ولدت طفلا تشكل منه بطريقة سرية فيما بعد ما تسمينه "بنفسكِ"؟ هل يعني هذا أنكم ستملكون هوايات مشتركة، أنت ستحبين العيش معها والتعامل معها؟ وبالإضافة إلى ذلك مع زوجها، أباها، أخاها، أختها، زوجة أخاها وأولادهما،جدتها، جدها، أصدقائهم... أليس هذا غباء فادح؟؟ وماذا ينتج من انكِ قد ولدتِ طفلا؟ هل يعني هذا أن هذا الإنسان الغريب عليكِ تماما والذي انوجد في بطنكِ "يجب" ان يصبح لكِ قريبا وممتعا؟ وبالإضافة إليه زوجته في المستقبل، أولاده، أخو زوجته، أولاد أخو زوجته... إن مفهوم "قربة" الأقارب يملك صفتين فريدتين : أ) إنه مفهوم مقدس في مجتمعنا، ب) عدم وجود معنى أو أساس له، ومناقضته لأي خبرة أخرى في الحياة كبيرة لدرجة أنه مستحيل ألا نلاحظها. ولكن أي محاولة في التفكير الصريح في هذا الموضوع، والبدء بالتصرف وفق رغباتكِ السعيدة يعارض هذا المفهوم ويؤدي إلى كره شديد من قبل الأقارب، وعدم إعطاء هذا اعتبار يعني إمكانية التعرض للخطر. لنتحدث عن "القرب". مجرد ما يفهم الإبن أو البنت أن أهله غير ممتعين، مجرد ما يبدأ باتباع رغباته السعيدة ،تتخذ القرابة التي يشعر بها أهله تجاهه شكلا غريبا جدا، وبالذات – شكل الكراهية. في جامع المقالات سأعرض مقالات المتدربين حول هذا الموضوع، وليس كل ثاني شخص،ولا كل ثالث شخص،بل تسعة من عشرة متدربين يواجهون مشكلة أن أهلهم عندما يلاحظون انه لم يعد يتظاهر بأنه يجد المتعة في التعامل معهم ،ويبدأ بالتخلص من

(ع س)، بالترحال، وباتباع الرغبات السعيدة، يعلنون حربا حقيقية  ضد طفلهم "الحبيب" و"القريب" – يختطفونه، يحبسونه، يربطونه، يحاولون تسليمه لأطباء النفس (وهذا ما زال ممكنا في وقتنا الحاضر. طب النفس لا يزال عصاة في أيدي العدوانيين. تآمر الأقارب يمكن أن يؤدي إلى حبسكِ في بيت المرضى نفسيا وحقنكِ بالأدوية – وتصبحين قطعة خشب مطاوعة وهادئة، والأقارب سيكونون سعداء)، وقد يحاولون قتلكِ! يجلبون الشرطة لحل هذه المسألة، وتقوم الشرطة بتنفيذ واجبها الوظائفي على أكمل وجه  - تصرخ على الأطفال البالغين (!!) ،تقوم بتخويفهم، وتهديدهم بالسجن(!!). الأهل المحبين يقومون بكتابة تصريح إلى السلطات التنفيذية بأنني أتبع لجماعة تستخدم العنف ضد الفتيات، وأبيعهم إلى دور الدعارة، أقوم بتحويلهم إلى "أموات يتبعونني يشكل أعمى"(؟؟)، يتوجهون إلي كمؤلف هذا الكتاب بالرسائل المهددة بالقتل، ويخططون لذلك بجدية ويصرحون بجهرية بأنهم يريدون قتلي، وكأنني من جهنم. من هنا أقدم نصيحة للمتدربين القادمين – إذا أردت إعطاء اقاربك فرصة للتعرف على تدريب الطريق المستقيم (ت ط م) – أعطيهم كتابي في مجموعة كتب أخرى – أوشو، كاستانيدا، غوردجييف، وكتب أخرى. اتركهم يختارون بأنفسهم، وأنت اختر طريقك بنفسك، لا تقم  "بالتنوير" – إن هذا عديم الآفاق. في الحالة المعاكسة انتظر حربا لغاية الموت سيجهزها لك "أقاربك".

يمكننا أن نفهم منطقيا أن "رابطة الأقارب" – عبارة عن وهم مطور، وللتغلب عليه لا تكفي "يجب علي". للتغلب الحقيقي أفعال الآليات أنصح بالقيام بدراسة كاملة للأقارب. ادرسي طبيعة هؤلاء الأشخاص، ودرجة قربهم إليكِ ومتعتكِ في التعامل معهم. اعملي قائمة من مئات الأسئلة التي تهمكِ إجاباتها، واطلبي منهم الإجابة عليها، برري رغبتكِ هذه بأنكِ تريدين التعرف عليهم أكثر. ليكن من بين هذه الأسئلة أسئلة عن الجنس، عن (ع س) – كل ما يهمك بالفعل. وبعد ذلك ادرسي إجاباتهم دون تحيز وشكلي حولها رأيا صريحا.

للنتقل إلى مسألة تفسير المواقف. عندما تتعثرين بحجر وتتألمين ، تتكون عندكِ فكرة "يا له من حجر خنزير ملقى هنا...". عندما تفتحين كتابا، ويسقط من يديكِ للمرة الثالثة على التوالي تتكون لديكِ فكرة "ما الذي يحدث!" ، وتبدأين بالإضجار. بوجد الكثير من مثل هذه الظواهر التي تثبت وجود التفسيرات التلقائية لديكِ، وليس عليكِ إلا التأمل جيدا لتلاحظي أن الحياة مليئة بها، كل لحظة مليئة بالتفسيرات. أنتِ "تعرفين" أن الكتاب "يجب" أن يفتح من أول محاولة؛ أنتِ تتوقعين أن الحجر "لا يجب" أن يكون ملقى في وسط الطريق؛ أنتِ متأكدة من أن ابن الجيران "يجب" أن يلقي عليكِ التحية هو أولا، وأن ابنكِ "يجب" أن يدرس، الحكومة "يجب" أن تتبع سياسة رأسمالية  أكثر صوابا، وأن الثلاجة الجديدة "لا يجب" أن تتعطل فورا.

إن التفسيرات التلقائية للمواقف – موجودة في كل مكان، إن حياتنا كلها متشابكة بها.

وعندما تبدأين بالتخلص من التفسيرات التلقائية، تظهر طراوة خاصة، أحاسيس مشرقة. في الطفولة المبكرة كنتِ خالية من ثقل التفسيرات، كنتِ فقط تنظرين إلى العالم بعينين واسعتين، وبينما تقومين بالتخلص من التفسيرات التلقائية تبدأين بالشعور بأن طراوة انطباعات الطفولة تعود إليكِ. العالم يصبح أكثر عمقا، اتساعا، علوا، عظامة، وشفافية،  يصبح مذهلا، تنمو فيه عوالم أحاسيس جديدة، كانت تخمد سابقا في بداية ظهورها.

التفسيرات- عبارة عن كتل من الأفكار، تتكتل لتكون مفاهيم قاسية.من السهل جدا رؤية ذلك. عندما تسيرين في الشارع  تعرفين أن الآن "فصل الشتاء".عندما تعودين إلى البيت، تعرفين ماذا يوجد وراء الشباك. عندما تذهبين إلى عملكِ تكونين واثقة من أنكِ  ستصلين إلى عملكِ بالذات، وأنه سيكون هناك كل ما يكون هناك في العادة. أنا أعرف ما اسمي. أعرف ما اسم الدولة التي أعيش فيها، أعرف الناس الذين يحيطون بي. إن كل هذا عبارة عن مجموعة دائمة وثابتة من التفسيرات، وأنا لا استطيع رؤية الأشياء التي عادة لا أراها. إذا رأيت "شجرة" فأنا "اعرف" ان "الشجرة" عبارة عن أغصان، ساق وأوراق، ولن أعير أي اهتمام للفراغات بين الأوراق، لن أرى لعب الظل، ولن أحس بمشاعر الجمال والإعجاب التي ترتبط بهذه الشجرة. لن أعير اهتماما للمعة الرغبة السعيدة ، ولن أغير طريقي – لأنني " أعرف" أنني ذاهبة إلى المتجر.

أنا أحب السفر- التجول في مدينة لا أعرفها، النظر إلى أشياء اعتيادية جدا والشعور بأحاسيس غريبة من  الإنفصال، من الطراوة لمجرد أنني لا أعرف شيئا هنا، انني هنا لأول مرة ، ولا أعرف ماذا ينتظرني خلف الزاوية. انا أعرف أنه لا أحد هنا يعرفني، ولذلك أشعر بأنني متحرر. لا أعرف ما الذي سأشعر به بعد دقيقة أو دقيقتين- لا شيء مبرمج، لم تتكون العادات بعد. ما الذي يمنعكِ من الشعور بهذا هنا- في بيتكِ، في عملكِ، في وسائل النقل؟ إن مجرد العادة في االشعور بنفسكِ "في البيت"، بالإضافة إلى العادة في الشعور بالملل، في ان تكوني حساسة، تعبانة، لا تنتظرين شيئا، لا تستمعين إلى رغباتكِ، إلى أحاسيسكِ المشرقة. عندما أتخيل بأنني أعيش في مدينة أخرى، أنه لا أحد هنا يعرفني، أنني لست أنا، فإن الحياة تتجدد، والرغبات السعيدة تشتد. ولكن بالطبع على الفور تظهر فكرة: " إن كل هذا عبارة عن ألعاب، في الحقيقة أنا أعرف أين أنا "،وعندها يختفي كل شيء، وتسود الرمادية المملة من جديد. إن الإدراك الصائب والواعي لا يناقض الأحاسيس المشرقة، بالطبع، ولكن بالتباع تدريب "النسيان" هذا يمكننا أن نعيد إلى الحياة تلك الأحاسيس المشرقة التي عادة لا تظهر في مثل هذه الموافق، يمكننا أن نحفظها ونتعلم الشعور بها بغض النظر عن التفسيرات.  وبما انه تظهر أحاسيس لم تكن موجودة في السابق، فهذا يعني انني "أنا " السابق - لست "أنا" الحالي، إذ أن  كلمة "أنا" هي مجرد تعبير عن مجموعة الأحاسيس، التي تظهر في هذا المكان. إننا نخدع أنفسنا كل دقيقة، كل ثانية، قائلين أن كل هذا معروف وواضح. نعرف ما هو موجود في الواقع، ما الذي سيحدث، أين سأكون بعد دقيقة وإلى آخره. إن جهاز الكمبيوتر يعمل في أذهاننا دون توقف، وما دام هو يعمل كوني واثقة أن – 99% من كل شيء ممتع كان بإمكانكِ المرور به الآن ، سيمر من جانبكِ دون توقف. إن العالم يغطى بخطة من الوصف، لا تدعكِ تخرجين منها.

إنني أستيقظ في الصباح. اقول – أنا في البيت، هذا بيتي، هذه شقتي، مدينتي ، سأقوم بفعل هذا وهذا، توجد هذه الخطط،  في الخارج مطر، جو بشع، عابس، عديم الأفق... تظهر مجموعة كاملة من التخيلات والعادات المرتبطة بهذا الوصف، وأتحول أنا إلى مخلوق رمادي فارغ. إنني أستيقظ في الصباح. أنا أعرف أنني سأبذل جهدا للتخلص من العبوس، لذلك يمكن أن يحدث أي شيء. قد يكتشف شيء جديد بغض النظر عن المكان الذي أنا فيه، بغض النظر عن من أكون، إن الحياة قد تغير في أي لحظة، وهذا مخيف قليلا، ولكنه مشوق. وحياتي بالذات قد تتغير إذا قمت بشيء يحرر الأحاسيس المتعلقة بالعالم من سجن القوالب. إنني أشعر أنني ألمس نبض الحياة، وهنا تبدأ الأشياء الغريبة بالحدوث بالفعل- تظهر أفكارا ممتعة جديدة، مزاج طازج، دفعات من الأحاسيس المشرقة الجديدة أو المعروفة، وأبدأ بالتصرف بشكل مختلف، ويفتح في داخلي طريق جديد.

في السابق، كثيرا ما كنت أشعر بحاجة ماسة إلى الحب، ولكن الكمبيوتر في عقلي كان يقول – أنت تريد أن تحب، ولكن لا يوجد من تحبه! لا يوجد بجانبي الآن انسان يعجبني، انسان أستطيع أن أشعر بالحب تجاهه. وعندها كنت أشعر فورا بالرمادية، بالملل والعبوس. وهذا كان يستمر أشهرا، لم أكن أشعر بالحب، لأنه لم يكن يوجد من أحبه. وأتى ذلك اليوم، عندما سألت نفسي – ما الفرق؟ إنني أريد أن أحب – الآن. هل تعني شيئا حقيقة انه لا يوجد من احبه؟ ماذا لو تخيلت ذلك الشخص، فأنا أريد أن أحب – هل توجد أهمية من أحب؟  حاولت أن اتخيل فتاة، تكونت في ذهني صورة، وعندها أيقنت أنه لن أتمكن من أن أحب صورة وهمية.  وعندها غيرت سؤالي – ربما سأستطيع الشعور بالحب إذا تقبلت الإفتراض في أنه توجد في مكان ما فتاة، ربما لأحببتها لو التقيت بها. إن عيوني لا تراها، انا لا أعرف شيئا عنها، ولكن حقيقة أنني أملك الرغبة في أن أحب تعني أنني أحس بها وأحبها. لماذا يجب علي أن أقتل رغباتي وقدرتي على الحب بواسطة التفكير؟ أنه كما لو قلت – إنه ليل الآن، حبيبتي، أنه ظلام شديد ، أن لا استطيع رؤيتكِ – كيف أستطيع أن أحبكِ؟ أليست حماقة؟ حماقة. أن هذه المواقف شبيهة جدا – أنا لا أرى، لا أسمع، لا أعرف بوجود فتاة حبيبة، ولكن الحاجة في ان أحب هي عبارة عن معرفة بوجودها. عندما جعلت هذا الإفتراض موضع دراستي اكتشفت أنني استطيع أن أحب! لقد احسست في تلك اللحظة أنني مجنون بعض الشيء، كنت أحس بالضيق، لأن وعي كان يهمس في أذني : "كيف يمكنك أن تحب شخصا لا تعرفه؟ ؟إنه غباء...". غباء أو ليس غباء، ولكن الخيار سهل – إما أن أشعر بذلك الآن، أو لا أشعر به. لقد اخترت أن أشعر بذلك، وقمت بذلك بتوليد مباشر لإحساس مشرق، مزيلا الرمادية المدعومة بمفهوم عدم وجود فتاة حبيبة.

إذا قام شخص ما بتسمية رغباتي بوهم أو غباء أو جنون – أنا لا أكترث، لأنني أحب ما أشعر به الآن، واحب الطريقة التي تتغير بها الحياة نتيجة هذا الشعور.      

بعد ذلك كنت أشعر بحب غير موجه إلى شخص محدد، على مدى تلك الفترة التي استطعت تحملها. ولم تضايقني علاقتي الشخصية مع حبيبتي، إذ أن شخصياتنا لم تتقاطع، وميلي في ذلك الوقت إلى العواطف السلبية لم يكن عائقا أمام الحب. ذلك الحب كان يملك صفات خاصة – فهو ليس فقط غير موجه تجاه شخص محدد ، بل لم يكن صادر مني! فقد كنت وكأنني في طريق تيار الحب الذي كان يصدر من لا مكان ويتجه إلى لا مكان، مخترقني في طريقه. فيما بعد علمتني تجربة هذا الحب أن أحب شخصا محددا دون اختلاط ب(ع س) من التملك، الغيرة، وغير ذلك. لقد أصبح الحب شعورا بحد ذاته، وليس خلطة مجنونة من العواطف السلبية والعواطف الإيجابية. لا شيء يقيد الحياة "كالفهم" الكاذب أن الحياة مقيدة. تجاربي قادتني إلى نتيجة : العواطف – عبارة عن جزء لا يتجزأ "مني"، يمكننا اختيارها  حسب رغباتنا. وعندما تفكرت – ما الذي أريده، رأيت أن (ع س) – عبارة عن ثقل أحمله تلقائيا وأريد التخلص منه. هكذا وضعت أمامي هدف في التخلص من (ع س)، واكتشفت أن تطبيق هذا الهدف عمل ممتع جدا وإن كان ليس سهلا.

 

 

02-01-11) التغيرات في حياة الإنسان تصبح سجنه الجديد، لأنها ناتجة ليس من جهود تحقيق الرغبات السعيدة بل من تأثير الرغبات التلقائية، الناتجة من (ع س)،والمفاهيم، والمخاوف. على سبيل المثال أنتِ تتزوجين ليس لأنه "يجب" عليكِ فعل ذلك، أو "حان الوقت" ، أو ان هذا "مريح"، "نافع"، أو أن "صديقاتكِ ينصحونكِ بفعل ذلك"، أو "يمكنكِ ممارسة الجنس بشكل قانوني" ، أو "حان الوقت لولادة الأطفال إذ أن مهمة المرأة..."، أو "إنه شخص إيجابي" وإلى آخره. تتنقلين من سجن إلى سجن ، تغيرين وضع ارتباطكِ على شكل عبوس، والحياة تبقى مصدرا للعذاب، بغض النظرعن الطريقة التي ستتصرفين بها. توجد نصيحة جيدة التطبيق على الناس : "افعل ما تريد ، إذ ستندم على أية حال". إحدى الوسائل لحبس نفسك في السجن – الإختيار التلقائي للمفاهيم، أي ليس عن طريق التفكير أو عن طريق ربطها بالأحاسيس المشرقة، بل تلقائيا، أي على العادة، تحت أثر(ع س) والمفاهيم السلبية، وبعد ذلك يلتصق المفهوم بالظاهرة بشكل دائم، وعندها نعتبره ليس أحد المفاهيم الممكنة، بل تعبيرا عن "الحقيقة". إن المفاهيم المحاطة بالتفسيرات التلقائية تتخذ ثباتا خاصا، تصبح "دعامة" للإنسان بغض النظر عن البلاء الذي تسسببه له هذه "الدعامة"، والمخاوف لا تسمح بأي تفكرات أخرى في هذا المجال. على سبيل المثال إذا كنتِ تملكين مفهوما "يجب على الطفل أن يدرس دروسه"، ويوجد مفهوم "هذا طفلي"، فلا شيء سينقذ المسكين – إذ عليه أن يدرس دروسه إلى الإعياء، بغض النظر عن رغباته السعيدة. ولكن إذا قمنا بدراسة المفهوم عن "طفلي"، وقمنا بدل مفهوم "ابني"  باختيار مفهوم "انسان مستقل ذو رغبات سعيدة خاصة به، والذي يقوم باختيار حياته بنفسه، سيتعلم بنفسه، بما ذلك التعلم من نتائج اختيراته الخاصة" ، وعندها مفهومكِ - "يجب على الطفل" – سيتكشف، سيصبح في متناول الدراسة ، سيفقد سلطته السابقة عليكِ، لن يعود مصدرا للكم الهائل من

(ع س)، وبالإضافة إلى ذلك ستظهر أمام طفلكِ فرصة في تجنب العنف، والبدء في الشعور وتحقيق رغباته السعيدة، البدء في العيش.

عند النظر إلى قطعة لحم، الإنسان العادي يرى عشاءا شهيا، أما الإنسان النباتي يرى عضوا مقطوعا من جثة حيوان. في كلا الحالتين قطعة اللحم هي نفسها، ولكن التفسيرات تختلف كليا، وفي كلا الحالتين يعتبر الناس أن هذا التفسير هو الوحيد الصحيح. يتم تفسير كل ظاهرة وكل حادثة، حتى قليلة الأهمية.

إن ما يتحكم باختيار التفسيرات هو مجموعة من المفاهيم والعادات، ولكن يمكننا العيش بشكل مختلف. على سبيل المثال قاموا بطردكِ من عملكِ. إذا كنتِ لا تشعرين ب (أح. م) سيظهر تفسير اعتيادي لهذه الحادثة، على أساس أنها سبب لظهور (ع س). أما إذا كنت أقوم بممارسة التدريب، ستظهر مفاهيم مختلفة تماما:

 "أ) ظهرت الفرصة للتدرب على التخلص من (ع س) القوية، وإذا تغلبت عليها، فإن مهارة التخلص من (ع س) ستصبح أكثر كمالا، (أح. م) ستظهر بشكل أكثر نشاطا، ب)لقد طردت من جو تكونت فيه الكثير من العادات التلقائية التي لم استطع التغلب عليها بشكل تام، وفي الظروف الجديدة سأتمكن من البدء مباشرة في بناء عادات جديدة، ت) غير معروف - كيف ستتغير الحياة الآن،  ما الفرص الجديدة التي ستسنح لي". مثال آخر – ظهرت (ع س). إحدى التفسيرات: "إنه عائق أمام تدريبي"،  تفسير آخر :"هذا يكثف التدريب، لأنني حصلت على خبرة أخرى في التخلص من (ع س)؛ وجدت الموقف الذي لا زالت تظهر فيه (ع س)؛ وولدت الطموح إلى (أح.م) مرة أخرى".

أنا أقوم باختيار التفسيرات التي لا تناقض الوضوح الصائب والمرتبطة بالأحاسيس المشرقة (أح .م)، لأنني أفهم أنه لا يوجد إحساس مثل "في الواقع". وليس ضروريا أن يكون هذا تفسيرا واحدا، قد يكون أكثر من تفسيرد، ولا يعيق احدها الآخر. إذا ظهرت (ع س)، ما هي في "الواقع" – عائق أم نقطة انطلاق؟ ما هي الشجرة في "الواقع"؟ أهي الأوراق أم الفراغات بينها؟ أم هذا وذاك؟ أم هي بالإضافة إلى ذلك شعور بالجمال يظهر دائما في هذا المكان تماما كما تظهر دائما أحاسيس الرؤية، اللمس، إذا لم يكن هناك ستارة من (ع س)؟ إذ انا أدون – "يوجد شعور بالجمال" ، ولكن لا يوجد إحساس "شعوري بالجمال".

عندما تقومين بشكل تلقائي باختيار تفسير معين وتبدأين بالإيمان بأنه هو الوحيد الصحيح، تتحولين إلى جثة. تصبحين حمقاء "تعرف" كل شيء. الإعجاب، الطموح ، التشوق، وما يتبعها من (أح.م) أخرى لن تعود للظهور، الوعي يترككِ، والرغبات السعيدة لن تظهر، لن يكون هناك اكتشافات، وعندها ستكسب (ع س) سلطة مطلقة، محولة وجهكِ إلى قناع، وجسمكِ – إلى جرح مؤلم يقدم بسرعة. انظري حولكِ – إن الناس المحيطين بكِ دائما يعرفون كل شيء.  متى كانت آخر مرة سمعتِ فيها ردا على سؤالكِ من نوع "أنا لا أملك الوضوح في هذه المسألة" أو " أنا لا أملك درجة كافية من الأسس للحكم في هذا" أو "لقد فكرت في هذا ولكنني لم أصل إلى رأي محدد" أو " في الوقت الحالي وجهة نظري كالتالي، انها معتمدة على تلك وتلك الملاحظات، والإفتراضات، وعلى تلك المعلومات، ولحد الآن أنا لا أملك حجج كافية لتغيير وجه النظر هذه"؟ أنا سأجيبكِ – لم تسمعي ولن تسمعي أبدا أجوبة كهذه من أحد سوى الأشخاص الذين يمارسون تدريبي. إن التحرر من المفاهيم  يفتح الطريق امام الشعور ب(أح.م). على سبيل المثال  أردتِ الشعور بالحنان، بالعطف، بالإعجاب، الشعور بالجمال، ولكن لا يوجد من تشعرين بكل هذه (أح.م) تجاهه، لذلك أنتِ لا تشعرين بها، وتصبحين بذلك ضحية المفهوم الذي يقول أنكِ لا تستطيعين الشعور بها إلا تجاه شخص معين،  شخص تعرفينه، ترينه، تحسين به. وتقولين : "لا يوجد من أشعر بهذا كله تجاهه.." وعندها ينتهي كل شيء، في حين أنه في الحقيقة لا شيء يمنعكِ من الشعور بهذه الأحاسيس المشرقة (أح .م).

نتيجة دراسة صادقة للمفاهيم يظهر الوضوح، في أنه لا يوجد ما يسمى ب"في الواقع"، ولا توجد سوى الأحاسيس  وتفسيراتها، والتي يمكن أن تكون متناقضة منطقيا أو غير متناقضة، يمكن أن تكون مرتبطة ب(أح.م) أو غير مرتبطة بها، قد تكون متناسبة مع الملاحظات الموجودة أو غير متناسبة معها، قد تكون مبنية بالإعتماد على شهادات أشخاص آخرين أو لا. هذا الوضوح كأي وضوح آخر يتم اجتيازه وكأنه شيء عجيب، وكأنه شعور بحرية وفساحة لا حدود لها.

الوضوح، الذي يظهر نتيجة التحرر من المفاهيم التلقائية، عبارة عن إحساس مشرق بحد ذاته. عندما نقوم بوصف هذا الإحساس ، نلجأ إلى الصور والكلمات، ولكن الوضوح – ليس صور ولا كلمات. توجد الكثير من الإختلافات:

أ‌)      عندما يظهر الوضوح الذي يرتبط بالكلمات التالية  "كل الأشخاص المحيطين بنا نائمين بشكل متواصل، أو أنهم أموات"، بعد دقيقة هذا الوضوح قد يختفي، في حين أن الوضوح االصائب يبقى، ولكن مهما حاولت تكبير هذه الجملة، لا يتغير شيء – لن تسطيعي توليد الوضوح من جديد إلا بعد جهود جديدة، بعد دفعة جديدة تجاه الصراحة

ب‌) الوضوح يملك كمية كبيرة من الدرجات، المراحل، في حين أن الوضوح االصائب يملك درجة واحدة فقط – إما أنكِ تفهمين سير التفكير أو لا.

ت‌) الوضوح يخلق ارتباطا ب(أح.م) أخرى، في حين أن الوضوح الصائب يبقى إحساسا منفصلا – لهذا السبب فالأشخاص المتطورين فكريا يبقون أغبياء ، وغارقين تماما في (ع س).

وهكذا إلى آخره. في حياتنا اليومية كلمة "الوضوح"  تعبر عن كلا الظاهرتين، وهذا الإختلاط هو الذي يؤدي إلى اضطراب كبير.

مثال آخر : عادة تفسير بعض الظروف على أنها "غير مريحة" للتدريب، وبما أن الظروف "غير مريحة"،  يبقى أمامنا إما الإنتظار إلى أن "تتحسن"، أو البدء "بتحسينها"، وهذا قد يستغرق الحياة كلها، وفي النتيجة لن تنتج سوى ظروف "غير مريحة" أخرى. إن مجال الظروف التي يمكن وضعها تحت قائمة "غير مريحة" يتسع لدرجة أنه في النهاية يضم الحياة كلها، ليصبح تبريرا لعدم وجود تدريب. يمكن تجنب هذه الغلطة بتحديد معنى محدد لمصطلح "غير مريحة"، وكذلك باتباع الرغبات السعيدة، بما في ذلك الرغبة في تغيير الظروف، والرغبة في التوقف عن تغييرها، والرغبة في التركيز على التدريب بغض النظر عن الظروف والرغبات. إن التدريب أحيانا يصبح فعالا جدا في الظروف التي لا ترغبين بها بالذات، إذا كان إصراركِ وتصميمكِ في درجة كافية من القوة، وعندها قد تظهر رغبة في أن تخلقي لنفسكِ ظروفا كنتِ تسمينها سابقا غير مريحة (انظري لاحقا الوحدة عن ستالكينغ واسكيتيزم). إن موقف المتدرب هو كالتالي : أية مواقف – عبارة عن ظروف رائعة للتدريب، فهي عبارة عن تحد، تقبلينه بسعادة وتشوق. هل يحاصركِ أقاربكِ  العدوانيين؟ إنها ظروفا للتخلص من الموقف السلبي (م س) المجيب، العدوانية المجيبة، الشفقة على النفس. لا أحد يصيبكِ ، أنتِ تملكين كل شيء، لا أحد يلهيكِ؟ إنها ظروف رائعة للتخلص من الرضا، الملل، الرمادية، والرغبات التلقائية. الرغبة في تغيير الظروف، رغم كل هذا، قد تظهر وتتحقق مع رغبات أخرى. ومهمتكِ الوحيدة تكمن في أن تكون هذه الرغبة سعيدة، مصحوبة بالتشوق، وألا يكون سببها الشفقة على النفس أو (ع س) أخرى.

من الكاستانيدا : "المحارب يأخذ مصيره ، مهما كان، ويتقبله باستسلام تام على ما هو عليه، ولكن ليس كداعي للأسف أو العظمة، بل كتحد حي". استبدلي كلمة "مصير" بكلمة "أحاسيس، تسمينها "ظروفا، وأحاسيس تسمينها ب"نفسكِِ"، وكلمة "استسلام" استبدليها بمصطلح "عدم وجود (ع س) و(ع إ)، ومصطلح "تحد حي" –  ذلك الذي يرتبط بالتشوق ، الطموح، عندها سيصبح معنى هذه الجملة مفهوما تماما.

إن هذه الأمثلة مفهومة نوعا ما، والآن- هذا مثال غيرعادي، فهمه سيتطلب بذل الجهد. هل تعتبرين الأوراق، الساق، الأغصان جزءا من الشجرة؟ نعم. لماذا؟ لأن الورقة – هي جزء من الشجرة، والسيارة الواقفة تحت الشجرة أليست جزءا من الشجرة؟ هل ذلك لأن الورقة تنمو بالتدريج؟ ولكن السيارة تسير بالتدريج لتقف تحت الشجرة باستمرار، لماذا التدريج الثاني أسوأ من الأول؟ لأننا نستطيع أن نتتبع المسار من الورقة إلى الساق بأعيننا بشكل غير منقطع؟ ولكننا نستطيع أيضا أن نتتبع المسار من السيارة فوق الأرض وإلى الساق، كما أن السيارة تلمس الشجرة. لأن عصير الشجرة يمشي في الساق إلى الورقة؟ ولكن الماء يسير من تحت عجال السيارة إلى الشجرة. في النهاية يتضح أن السؤال عن ما الذي يشكل جزءا من الشجرة يجاب عليه وفق اتفاقية، وأن المقياس الذي نستطيع بالإعتماد عليه أن نضع حدا من السهل إيجاده – الورقة التي انفصلت عن الشجرة تبدأ بالتغير بشكل سريع، وتجف، في حين أن السيارة لا تتغير إذا ابتعدت مترا واحدا. الأوراق دائما موجودة على الشجرة وفق دورية معروفة، في حين أن مليارات الأشجار في الغابة لا تلمس سيارات. والآن لنسأل أنفسنا سؤالا – الشعور بالجمال الذي أشعر به عند النظر إلى الشجرة – هل هو جزء من الشجرة؟ في نظر أي شخص هذا السؤال سيبدو أحمقا، إذ أن الإجابة عليه واضحة "تماما" – طبعا لا، الشعور بالجمال ليس جزءا من الشجرة. هذا هو التفسير المحدد بشكل قاس. سأقدم مثالا لحوار وسأبين فيه أنه من الممكن أن يكون هناك تفسيرا آخر:

-        عندما أنظر إلى الشجرة وأرى ساقا، أملك إحساسا بصريا – إنه إحساسي الخاص، ولكنني أسميه "إحساس بجزء من الشجرة"، وإذا كنت أشعر بالجمال، لماذا لا أسميه هو أيضا إحساس بجزء من الشجرة؟

-        لأنك عندما تنظرين إلى الشجرة ، في كل مرة تشعرين بإحساس "أرى ساقا".

-        في كل مرة أنظر فيها إلى الشجرة أشعر كذلك بالجمال.

-        في كل مرة؟؟ عند النظر إلى أي شجرة كانت؟

-        نعم، كل مرة، إذا كنت لا أشعر ب(ع س).

-        أها،وإذا كنت تشعرين ب(ع س) ألن يكون هناك شعور بالجمال؟

-        طبعا، ولكنكِ حتى لو أغلقت عينيكِ لن يكون هناك إحساسا بالساق.

-        ولكن أوراق الشجرة - تختلف ، تنوعها لا يعد ولا يحصى، أما الشعور بالجمال – فهو واحد، هذا ما يعني ان الشعور بالجمال ليس جزءا من الشجرة، بل صفة لإحساسكِ، إذ لو قمتِ بارتداء نظارة وردية اللون هذا لن يعني ان العالم لونه وردي؟

-        أن الشعور بالجمال ليس واحد. إن تنوعه كذلك لا يعد ولا يحصى، ولكنكِ تمضين حياتكِ في

(ع س)، و(أح.م) شيء نادر بالنسبة لكِ، لذلك أنتِ لا تملكين خبرة لتمييز أنواع هذا الإحساس.

إنها نتيجة غير عادية، تفتح الطريق أمام تجارب واكتشافات كثيرة. في هذا المثال السبب في وجود تفسير كاذب ليس فقط عدم وجود معنى محدد لكلمة "جزء"، بل كذلك عدم وجود خبرة في الشعور ب(أح.م). إن الشخص الذي لم يتدرب على التمييز بين اللون والشكل سيقول أن كل الأوراق متشابهة، ولكن كل اللأطفال يجب أن يتعلموا تمييز اللون والشكل، لأنه إذا قالت الأم "ناولني الكوب ذو اللون اللأزرق الفاتح" ، وأنت ناولتها الكوب ذو اللون الأزرق الغامق" ستحصلين على وجبة من (ع س)، وسيتكون لديكِ دافع للبدء في تمييز اللون الأزرق الفاتح عن الأزرق الغامق.

مثال آخر بسيط ومعبر: عندما تجلسين في المكتب، أنتِ "تعرفين" أن وراء النافذة -  مدينة وسخة ومزعجة، وخلف الحائط – أشخاص أغبياء ومتقززين. ولكن خلف النافذة والحائط يوجد شيء آخر – يوجد محيط، غابة، جبال، حيوانات – إنكِ لا ترين ذلك من النافذة، ولكنه موجود، وأنتِ تعرفين ذلك، لأنكِ سافرتِ ورأيتِ ذلك. فلماذا لا تختارين التفكير في ما يرتبط ب(أح.م)؟ لأنها العادة. إن كلا التفسيرين لا يتناقضون مع تصوركِ للعالم، لذلك المتدرب يختار أن يعرف أن خلف النافذة – محيط، قمم جبال، سهول وغابات.

مثال آخر، دراسته تؤدي إلى نتائج بعيدة المدى. مهما قال الفلاسفة، كل الناس (بما فيهم الفلاسفة) يؤمنون دون شك في وجود الشخصية والشيء. ولكن هذا مجرد تفسير لأحاسيسنا. أن الشرح موجود على السطح، لا نحتاج هنا إلى أي دراسة معمقة. انظري بنفسكِ : كل الأحاسيس الموجودة – ماذا نستطيع أن نقول عنها غير أنها موجودة؟ نستطيع : يمكننا أن نشير إلى الفروق بينها ونقوم بوصف هذه الفروق. نستطيع ذلك بلا شك، وهذا ما نقوم به في العادة – نشير إلى الفروق، نسمي مجموعات معينة من الأحاسيس بأسماء خاصة، نستخدمها في حياتنا اليومية وفي التدريب، ونحصل على النتائج المرغوبة. بالطبع نحن لا نستطع إيجاد ما يسمى "بالحد"، على سبيل المثال: "كرسي" – إنه ذلك الشيء الذي يملك أرجل، ومقعد موضوع على هذه الأرجل، ومركى للظهر، مثبت على المقعد. في محل الأثاث يمكننا أن نجد شيئا يسمى كذلك مقعدا، ولكنه لا يشبه وصفنا هذا أبدا – على سبيل المثال "حشية" – لا تملك أرجل، ولا مركى للظهر، وتملك شيئا يصعب علينا أن نسميه "مقعدا". إذ يمكننا بسهولة أن نضعة في قائمة "وسادة". الكل يفهم ذلك ،أن هذه الخربطة لا تعيقنا من تحقيق رغباتنا في حياتنا اليومية، لذلك نحن نستمر في استخدام هذه الطريقة بنجاح – نصنف الاحاسيس في مجموعات ونتفق على تسميتها.

لنستمر. على ماذا أطلق مصطلح "يدي"؟ مجموعة من أحاسيس بصرية محددة، حس، أحاسيس لمسية. على ماذا أطلق كمة "يده"؟ مجموعة أخرى مختلفة من الأحاسيس. ولكن هذا مجرد اسم، ما الأساس الذي نقوم وفقة بإضافة "أنا"، أو "هو" في حين انه لا يوجد إحساس يسمى "أنا" أو "هو"؟ ماذا يعني "شجرة"؟ أنها كذلك مجموعة من الأحاسيس. على أي أساس نقول أن الشجرة عبارة عن "شيء"؟ إذ لا يوجد إحساس يسمى "شيء"، يوجد فقط إحساس محدد، نسميه "شجرة"، ولكن هذه أحاسيس "خاصة بي" – الإحساس بقشرة الشجرة، بطعم الورقة – أن كل هذا موجود "عندي" هنا ، ولكن ماذا تعني "شجرة"؟ غير مفهوم. واضح أن "أنا"، "أنت"، "شيء" – ليس إلا وسيلة للتعبير عن الأحاسيس!  بهذه الطريقة أستطيع أن ألعب مع نفسي لعبة الشطرنج،  إذ أقوم بشكل اصطلاحي بتقسيم الأفكار التي تظهر بعد لعب "السود"على انها "أنا"، والأفكار التي تظهر بعد لعب "البيض" على أنها "خصمي".

وماذا ينتج؟ ينتج شيئا يخرج بشكل فادح عن حدود الطريقة المعروفة لتصور العالم لدرجة أننا نستعيظ عن هذا ، لا نريد قبوله، نستثنيه، مطورين بذلك عدم الصراحة، الجبانة، والغباء. أذكر هنا أن الفكرة والوضوح – أحاسيس مختلفة تماما. من السهل تكوين سير الأفكار وفهمه – ولكننا نحتاج إلى جهود للشعور بالوضوح – جهود لوقف دعم الحماقة، جهود الطموح إلى الصراحة. وإذا كان أحد ما صادق جدا، إذا كان يسعى إلى الوضوح، كما يسعى الغريق إلى جرعة هواء – يكفيه أن يقرأ هذه الجملة، ليحصل على الوضوح التام، حاصلا بذلك على "فهم عدم التناقض". وبما أنه لا يوجد أشخاص كهؤلاء، ألجأ إلى التدريبات الإنتقالية  – إلى تشكيل جزر انتقالية من الوضوح. إذا قال أحد ما أنه "وصل إلى عدم التناقض"، فهو بذلك يقول أنه لا يشعر ب(ع س) حتى لو لثانية، وأنه يشعر ب(أح.م ) بشكل مستمر، لذلك من السهل جدا فضح الكاذب، بالطبع إذا لم نقم بالتعمق كثيرا في الحماقة التي لا حدود لها، وعدم القيام باستكمال الإنسان فيما يعارض كل تفكير سليم.

 

 

02-01-12) كوني مفهوما، على سبيل المثال: "زوجي يعاني لأنني أمارس الجنس مع صديقي، وهذا يعني أن معاناته ذنبي أنا". قومي بالشك في هذا المفهوم:" هل أجلب له المعاناة؟ أنا فقط أتبع رغباتي السعيدة، ولقد وضحت له هذا. أليس هو الذي يقوم بجلب المعاناة لنفسه عندما يفسر تصرفي على أنه إهانة له، ولامبالاة به؟" يمكننا إيجاد حجة لهذا: "بالفعل هو يفسر هذا هكذا، ولكن هذا عدم كمال فيه، فلماذا أقوم الآن بجلب المعاناة له؟". يمكننا معارضة هذا بأن عدد كبير من الناس يريدون شيئا مني، وأنا بأي تصرف أقوم به "أجلب" معاناة لأحد ما باستمرار، إذ لا توجد طريقة لتخليص الإنسان من هذه المعاناة، هو نفسه فقط يستطيع القيام  بذلك – بجهوده هو. زوجكِ يطلب اتباع عشرة أحكام، ويمكنكِ أن تحاولي اتباعها، ولكن رغباتكِ السعيدة ستبدأ بالذبول، وستتبعها سعادة الحياة، وزوجكِ سرعان ما سيختلق أحكام أخرى ،وعدم اتباعها "سيؤدي" من جديد إلى اشمئزازه ، وإلى زعل وتوتر من قبله.  هذا يثبت أنه لا يريد أن يعيش بطريقة مختلفة. حجة أخرى: إذا كان هو يعاني وهو لا يريد المعاناة، فليقول – ما هي التصرفات التي قام بها بالتحديد من أجل وقف المعاناة، من أجل التغيير. 

يمكننا تمديد سلسلة من الحجج ومضادات الحجج لأمد طويل، وأنا أنصح القيام بذلك، وتكوين قائمة أكبر من الحجج ومضادات الحجج، ومضادات مضادات الحج، حتى لا يبقى شيئ في الظل، حتى تتم دراسة كل حجة تعرفينها. حاوري أشخاصا آخرين – على الأرجح أنكِ ستجدين لديهم حججا لم تجدينها بنفسكِ، حجج "مع" و"ضد" .

في النتيجة سيتضح، أنه من المستحيل إثبات أي شيء –  سلسة الحجج ومضادات الحجج لانهائية، والذي سيبقى دون تغيير هو شعوركِ بالذنب، أي أنكِ ستعيشين وكأن ذنبكِ قد تم إثباته. قومي بهجوم على المفاهيم :ارجعي إلى هذا الموضوع باستمرار، ارجعي إلى كتاباتكِ، وانظري إلى الحجج مرة بعد أخرى، اسعي إلى الوضوح في أنه لا يوجد أساس لاعتباركِ مذنبة في معاناة زوجكِ. قارني بين الوضوح في عدم وجود أساس لاعتبار الشعور بالذنب في هذا الموقف مسموحا، ووضوح أن الشعور بالذنب سيظهر في جميع الأحوال. كرري هذا التدريب 100 أو 1000 مرة ، دوني حقيقة أنه لا توجد أسس منطقية للشعور بالذنب، والشعوربالذنب موجود إلى أن يظهر نوع جديد من الوضوح مصحوب بدرجة جديدة من التحرر من الشعور بالذنب في هذا الموقف.

بالطبع من المستحيل إثبات أو دحض هذا المفهوم، فهو يستخدم مصطلحات لا تعني شيئا محددا: "مذنبة"، "عادل"، "يجب". على سبيل المثال بكلمة "الحب" كل واحد منا يعبر عن مجموعة عشوائية من الأحاسيس، غالبا ما تشمل أحاسيس مدمرة كالغيرة، العدوان، الشفقة على النفس. لا أحد يتفكر في أي مجموعة من الأحاسيس بالتحديد يسميها بكلمة "الحب". هذا لا يمنع الناس من التحدث عن "الحب"، التناقش فيه، "فهم" بعضهم البعض، مع أنه واضح تماما أنه لا يمكن أن يكون هناك أي فهم، ما لم يتم تحديد – ما هو الموضوع الذي نناقشة بالتحديد.

من المستحيل التوصل إلى الوضوح الصائب دون استبدال مثل هذه الكلمات – الكلمات المتطفلة، بكلمات تعني شيئا محددا بالنسبة لكِ، وعلى الرغم من ذلك ، حتى دون القيام بهذه العملية يمكننا الوصول إلى التحرر من سلطة المفاهيم بالطريقة المذكورة سابقا. عدم وجود معنى للمفاهيم قد يصبح ظاهرا عند الوصول إلى مرحلة معينة من دراسة الحجج ومضادات الحجج .

التحليل التالي للمفاهيم النظرية يستطيع كذلك أن يكشف عدم منطقيتها بسرعة. على سبيل المثال لنسأل أنفسنا سؤالا: "عندما يتغير الإنسان فهل يصبح إنسانا آخر، أم يبقى هو نفسه؟ سؤال بسيط أليس كذلك؟ شخص ما سيقول بثقة تامة – "إنه ذلك الإنسان نفسه، ولكنه متغير". شخص آخر سيجيب بثقة مماثلة :"إنه إنسان آخر، فقد تغير"، وعلى أساس هذه الثقة ستنمو مفاهيم آخرى – مختلفة من شخص إلى آخر لندرس هذا السؤال بانتباه أكبر.

يبدو بديهيا أنه إذا تغيرت الأفكار، العواطف، الرغبات، والأحاسيس (الجسم غير وضعه، وهذا يعني أنه تغيرت الأحاسيس، وتغير حتى التكوين الكيميائي للجسم – اختفت ذرات معينة، وظهرت ذرات أخرى) – هذا يعني أنه توجد مجموعة جديدة من الأحاسيس في هذا المكان، أي يوجد إنسان آخر، والإختلاف يمكن أن يكون هائلا- الإستحسان قد يتحول خلال ثانية إلى الكره، الرغبة في الحضن – إلى الرغبة في الضرب.

كل شيء يتغير باستمرار. ولكن إذا أصبح الإنسان شخصا آخر – هذا يعني أن شخص يسعى إلى الهدف، وشخص آخر يصله؟ أنا أوجه الملعقة إلى فمي، ولكنها تقع في فم شخص آخر؟ النجاح سيأتي إلى شخص آخر، الفشل سيأتي إلى شخص آخر- "أنا نفسي" الآن لن أحصل على أي نتيجة، و"ذلك الشخص" الذي سيحصل عليها لن يستخدمها – هذا سيكون شخصا آخر من جديد... لا أحد سيتفق مع هذا الإستنتاج، وإذا تظاهر أحد بأنه موافق، يمكننا أن نسأله – لماذا إذا يستمر بالسعي إلى أهدافه، فشخص آخر سينعم بالنتيجة. إذا أجاب "أنا لا أبالي"  قومي بأخذ أغراضه – ستشاهدين أنه يبالي في أن شخص آخر يأخذ نتائج جهوده. وينتج أنه لا يوجد هنا شيئا بديهيا.

والآن لنفترض أن الإنسان يبقى هو نفسه. ولكن هنا يظهر تناقض على الفور- إذا كان الإنسان فعلا يبقى هو نفسه، فما التغير الذي نتحدث عنه إذا؟ والنتيجة أن كلا الإفتراضين مستحيل. ربما الإنسان يبقى هو نفسه، ولكنه متغير؟ ولكن ما الشيء الذي يبقى دون تغير؟ "أنا" ؟ ولكن لا يوجد إحساس "أنا"، أما الأحاسيس الموجودة كلها متغيرة.

لقد وصلنا إلى ماس لا منفذ منه، والنتيجة أن المفاهيم النظرية "الإنسان يتغير" و"الإنسان غير متغير" تفقد معناها، تخرج من المناقشات ومن الحوار الداخلي. لندرس مفهوم "الماضي والمستقبل". عندما نقول "توجد برتقالة"، نعني أنه توجد ليس مجرد فكرة "برتقالة" أو صورة "برتقالة"، بل يوجد كذلك تنوع كبير من الأحاسيس نسميها "طعم البرتقالة" ، "الشعور بقشرة البرتقالة" وغير ذلك. إذا وجد الماضي، فعدا أفكار "هذا ماضي" توجد أحاسيس أخرى متعلقة بالماضي. إذا كنت في الماضي أشعر بشيء، والآن بشيء آخر، عندها نقول – لقد حصل تغيير.أي أن معنى "تغيير" يستند إلى مفهوم نظري في وجود الماضي، الحاضر والمستقبل. للمقارنة يجب علي أن أمر ب "أنا الماضي" وبعد ذلك مقارنته ب " أنا الحاضر". ولكن كيف أقوم بذلك؟ هل يجب أن أتذكر ماذا حصل معي البارحة؟ ولكن هذا ليس ماضيا، إنها أفكار موجودة الآن، في الحاضر. يمكنني أن أقول – الأمس شعرت بالفرحة، ولكن هذا لن يكون " أنا أشعر الأمس بالفرحة" – سيكون هذا إما فكرة موجودة الآن، أو بالإضافة إلى ذلك فرحة أشعر بها كذلك الآن. أية أحاسيس – عبارة عن تلك الأشياء التي تحدث في هذه اللحظة، أو لو قلنا بدقة أكبر هي ما هو موجود، لأن كلمة "الآن" تنتج أصلا من مفهوم وجود "السابق" و "اللاحق". من هنا تتكون نتيجة بسيطة: كلمات "الحاضر" ، "الماضي"، و"المستقبل" تعبر فقط عن مجموعات من الأحاسيس موجودة "الآن" ، وليس عن شيء موجود "ليس الآن". ما كنا نسميه "ماضيا"، نكتشف أنه على سبيل المثال عاطفة مصحوبة بفكرة "هذا كان البارحة"، وصورة مصحوبة بنفس الفكرة. ما كنا نسميه "تغييرا"، نكتشف أنه ليس إلا صورة مصحوبة بفكرة "كان هكذا، وأصبح هكذا".

 

 

02-01-13) إحدى أسهل الطرق للتخلص من المفاهيم – اختبارها عمليا. ولكن هذه الطريقة التي تبدو بسيطة جدا لا تستخدم، لأن الناس بدلا من اختبار تجاربهم يقومون بجعلها مماثلة للمفهوم. إذا وجد لديكِ مفهوم : "ممارسة الجنس مع فتاة جميلة طيب للغاية"، من هنا تظهر رغبة تلقائية (ر ت) في ممارسة الجنس مع تلك التي تعتبرها جميلة. ولكن في كل مرة يظهر فيها  أن الفتاة الجميلة غيورة، عديمة الإحساس، غبية، وذو موقف سلبي تجاه ممارسة الجنس، تدعي بأن هذا بسبب "اختلاف الطباع"، وتستمر باختلاق تخيلات لكل ما لا تحسه  فيها وحذف ما تحسه. عدم الصدق، وعدم وجود التحليل المتتابع يؤدي إلى عدم حصولك على خبرة في التعامل مع الواقع – أنت تتعرفين على وهم قمت بإتمام رسمه وتفترق معه، وفي النتيجة فإن المفهوم يبقى دون تغيير، وكل شيء يتكرر في دورة.

إذا كنتِ تعتبرين معظم الفيزيائيين أذكياء – اختبري ذلك. ادرسيهم، اطرحي عليهم الأسئلة، حللي الإجابات. إذا كنتِ تعتبرين أن الفلاسفة حكماء، والكتباء غامضين – ادرسيهم بشكل صادق، دون خوف من لقاء الواقع، مهما كان.

إننا لا نتعامل مع أي إنسان على أنه مخلوق واقعي. كل إنسان نقوم بإتمام رسمه في جهة أو أخرى، وبعد ذلك نتعامل مع هذه الصورة المختلقة. قبل كل شيء هذا يخص اؤلئك الذين "نعرفهم" منذ فترة أطول. يظهر الكثير من العبوس حول هذه الصورالوهمية، بما في ذلك الألفة، الغيرة، إذ يتكون حولها غيوم من الحوار الداخلي التلقائي (ح د)، وقد ينتج أنكِ دون معرفة ذلك ستقومين على مدى سنوات بتبرئة نفسكِ في حواركِ الداخلي أمام أهلكِ ومعارفكِ. بما أن "التعامل" – في الحوارات الحقيقية، وفي (ح د) يتم مع الأوهام، فبالطبع لا يوجد أي "توضيح" ،لن يكون هناك أي اتفاق – الوهم سيستمر في الوجود في صورته السابقة، وسيبقى مصدرا ل(ع س).

طريقة فعالة لاكتشاف تتمات الرسومات والتخلص منها تكمن في تقرب تدريجي من الإنسان، وفي كل مرحلة من هذا التقرب تكونين "صورته"، تحددين موقفكِ منه – على سبيل المثال عند التعارف عن طريق الإنترنت تكونين فكرة عن الإنسان اعتمادا على رسالته، وبعد ذلك اعتمادا على رسالته الأخرى، ثم بالإعتماد على صورته، ثم على صورته الأخرى، ثم اعتمادا على نتائج مراسلة أكثرعمقا، ثم اعتمادا على مكالمة هاتفية، ثم اعتمادا على مقابلة شخصية وإلى آخره. ما يسهل عملية تحديد موقفكِ تجاه الإنسان هو وجود قائمة من الخصائص – تلقين نظرة عليها وتضعين علاماتكِ. في البداية النتائج الإنتقالية ستملك الكثير من الإختلافات، ولكن مع نمو الخبرة في التخلص من تتمات الرسومات والإستثناءات، موقفكِ الأولي تجاه الشخص سيزداد تطابقا مع موقفكِ النهائي.

كلما كانت (ع س) التي تشعرين بها أكثر سطوعا، كان تصرفكِ أكثر تلقائية، وزادت صعوبة التمييز بين الأحاسيس، والقيام بتحليلها فيما بعد.

 

 

02-01-14) لندرس مثالا على تفسير "الوحدة" أو "التواجد بين الناس". من السهل استبدال أحد المفاهيم بآخر حسب المعنى الذي تريدين وضعه في كلمة "الوحدة". عند التواجد بين الناس يمكنكِ أن تعتبري نفسكِ وحيدة، وتشعري بنفس (ع س)، من ناحية أخرى عند التواجد في غرفة فارغة يمكنكِ أن تعتبري نفسكِ جزءا من مجموعة معينة من الناس، وتشعري وقتها إما ب(ع س) أو (أح.م) على اختياركِ.

بما يشبه تدريب الإحساس الدوري، الذي تقومين به مع (ع س) يمكننا القيام بتدريب مشابه مع المفاهيم. النتيجة – إضعاف تلقائية ظهور المفاهيم، ظهور إمكانية التوصل إلى الوضوح الصائب، وظهور دفعات من الشعور بالوضوح.

 

 

02-01-15)  هل يوجد إحساس محدد يمكنكِ أن تسميه بكلمة "أنا"؟ العواطف، الأفكار، الأحاسيس، الرغبات، كلها تسند إلى ما يسمى "أنا"، الإحساس غير الموجود، كعدم وجود إحساس "انتساب" الرغبة أو الفكرة إلى أحد ما. الوصف الدقيق لهذا الموقف كالتالي: من بين مجموعة الأحاسيس توجد أفكار تحوي في نفسها كلمة "أنا" التي لا تعني شيئا محددا، أي أن هذه الأفكار عبارة عن مفاهيم. لنخرج من عدم التحديد هذا ولنعرف هذه الكلمة. "أنا" عبارة عن تعبير عن مجموعة من الأحاسيس الخمسة المعروفة لنا جيدا، والتي لا تعرف بالإعتماد على بعضها البعض ولا تؤدي إلى بعضها البعض.

من المستحيل تعريف هذه النوع من الأحاسيس، لأن "التعريف" - يعني الإسناد إلى شيء آخر، وهذا مستحيل في هذه الحالة (على سبيل المثال الشخص الأعمى منذ الولادة لن يفهم معنى كلمة "رؤية"، مهما حاولت تفسيرها له). لذلك يمكننا تعدادها فقط. لا شيء سوى هذه الخمسة أنواع من الأحاسيس يدخل في مضمون كلمة "أنا" : الأحاسيس، العواطف، الأفكار، الرغبات، الإختلافات.

الأحاسيس الجسدية (لاحقا – مجرد "أحاسيس") – تمثل كل أنواع الأحاسيس، قمنا بتوحيدها في مفهوم "الجسد الفيزيائي". فكرة "الجسد الفيزيائي" عبارة عن مفهوم، لأننا إذا بقينا في حدود الشهادة الصادقة بأحاسيسنا، فالشيء الوحيد الذي نستطيع قوله – أنه توجد عدة أنواع من الأحاسيس، جمعها عقلنا في مفهوم "الجسد الفيزيائي" – نظرية، سمعية، ذوقية، لمسية، جنسية وغيرها. رؤية "الجسد" – يعني امتلاك أحاسيس مرئية معينة. لمس "الجسد" – يعني امتلاك أحاسيس لمسية. ولكن كما نجمع الأحاسيس بمفهوم "الجسد الفيزيائي"، يمكننا جمع كل الأحاسيس في مفهوم "الجسد العاطفي"، والأفكار – في مفهوم "الجسد الفكري". نحن لا نقوم بذلك على العادة، ومن هنا تظهر المقارنة الخاطئة بين الأحاسيس من جهة، والعواطف والأفكار من جهة أخرى، وفي النتيجة نعتبر "الجسد" شيئا حقيقيا، من أهم لوازم "أنا"، والأفكار، العواطف والرغبات – شيئا خلقيا، من اللوازم الثنائية ل"أنا". إحساس "أخلع الفسطان" غالبا ما يتبع بإحساس "أرى الصدر" – وهذا أساس لاعتبار أن "الصدر" عبارة عن جزء من "الجسد الفيزيائي". ولكن أحيانا هذه الأحاسيس لا تتبع بعضها البعض – على سبيل المثال قد يتبعه إحساس "أرى الرداء الداخلي"، ولكن هذا لا يغير شيئا، لأن العقل يرتب كل هذا في برنامج غير مناقض. بنفس الطريقة بعد إحساس "أسمع كلمة "أحمق"" غالبا ما يكون إحساس "عاطفة الإشمئزاز"، وأحيانا لا تظهر، إذا وجد الإحساس بفكرة أنني "أحمق في الحقيقة". إنني أريد أن أظهر أنه لا يوجد أساس منطقي لتسمية مجموعة من الأحاسيس ب"جسد الأحاسيس"، وعدم تسمية مجموعة العواطف  ب"جسد العواطف" – إنها مسألة تعود فقط.

الإدراك الذي يميز – إحساس لا يمكن التقاطه من قبل أولئك الذين يشعرون ب(ع س) ولا يشعرون ب(أح م)، لذلك في التدريب العملي على التخلص من (ع س)، المفاهيم، الرغبات التلقائية، والتوصل إلى (أح.م) نحن لا نعيره اهتماما، وسنتحدث فقط عن الأنواع الأربعة للأحاسيس.

لندرس الآن على سبيل المثال مجموعة الشجر والنباتات الأخرى التي تكون الغابة. كل إنسان عادي يفهم أن لا أحد يعتبر أية غابة شيئا موجودا أصلا عدا كل ما يكون هذه الغابة. الغابة – مجرد تسمية. وهكذا "أنا" – عبارة فقط عن تسمية للغابة مكونة من 5 أنواع من "النباتات". هذا التصريح – طريق إلى الحرية. طيلة حياتكِ كنتِ تفكرين أنه توجد "أنا" داخلية عميقة، أماكن سرية ل"أنا"، ما فوق الإدراك، تحت الإدراك وغيرها من الظلمات التي تقريبا من المستحيل دخولها. لقد فكرتِ أن كل هذا صعب للغاية، لا يمكن وصوله، معقد، وأن الطريق نحو الحرية يمكن أن يجده فقط إنسان عبقري ومتطور من الناحية "الروحية". وفجأة تكتشفين أن "أنا" مجرد أربعة أنواع من الأحاسيس! لا يوجد أحد ليكون عابسا – يوجد عبوس فقط. لا يوجد أحد ليسعى إلى (أح.م) – فقط توجد رغبة سعيدة للشعور ب(أح.م). "لا أحد" غبي – فقط يوجد الإحساس بالغباء يمكننا التخلص منه، إذا وجدت الرغبة في التخلص منه. لا يوجد أحد ليكون مربوطا، لا يوجد أحد لإطلاق سراحه. هذا كما لو قلت للسجين الذي يتخيل صفوف لانهائية من الحيطان وغرف السجن : يوجد حائط في الأمام، في الخلف، على اليمين وعلى اليسار، فوقك وتحتك – ولكن هذا كل شيء! لا يوجد فوق السقف "حائط فوق الإدراك"، وعندما تهدم الأرضية – لن يكون تحتها حائط "تحت الإدراك" – ستكون هناك الحرية، سيكون هناك عالم لا يمكن تخيله من الأحاسيس المشرقة. تخيلي - درجة السعادة والتصميم والثقة التي سيجلبها هذا الخبر للسجين؟ أنتِ سجينة وأنا أجلب لكِ هذا الخبر السعيد: لقط هدمت هذا الحائط ووجدت خلفه الحرية، وأكتب هذا الإرشاد الذي يمكن أن يستخدمه كل من يرغب بذلك. تمتعي بهذا الخبر، فكري به، دلليه وافهمي : الحرية – قريبة جدا، ويمكنكِ الإمساك بها بيديكِ المجردتين، إذا أقبلتِ على المهمة بمثابرة، بانتباه ، بتصميم وتشوق.

خلال دراسة مفهوم "أنا" تستخدم الطرق المذكورة سابقا، ولكن بالإضافة إليها أنا أقدم طريقة أخرى – تدريب "الوعي بعدم الوجود". هذا التدريب يمكن أن يستخدم بفعالية لتشتيت المفاهيم التي تملك نفس الصفة التي يملكها مفهوم "أنا". تخيلي أنني أملك مفهوما ذو قوة خارقة، يكمن في أنه في بيتي يعيش فرس النهر. عند التمعن والتسمع والتشمم بانتباه عاجلا أم آجلا سأصل إلى استنتاج أنه لا يوجد أي فرس نهر، على أية حال أنا لا أستطيع إيجاد أية أدلة  تثبت وجوده، ولذلك إلى حين ما تظهر تلك الأدلة، سأعيش وكأنه غير موجود.إنه بسيط جدا، ولكن لسبب ما كلنا نؤمن بتصميم أنه يوجد خلال الأحاسيس حيوان- "أنا".

إن تدريبي  سهل جدا. لا يتطلب فعل شيء غير مفهوم من أجل "منفعة" وهمية في المستقبل، الإيمان بأن "المنفعة" غير المفهومة لكِ الآن ستأتي إذا عدلتِ عما تريدينه اللآن. طريق الصراحة – مختلف : إذا رأيتِ أن شيء ما عبارة عن وهم، فلا يوجد طريق للرجوع، من المستحيل العودة إلى الإيمان الأعمى. نتائج الجهود المبذولة ستظهر فورا، وتتمتعين بها الآن: إذا قمتِ الآن بالتخلص من (ع س)، تشعرين الآن بدفعة من (أح.م). في الطريق المستقيم لا يوجد أتباع ولا يوجد قادة. الكل يتبع رغباته السعيدة، وعندما يظهر إحساس مشرق، تشعرين بأنكِ مكتشف، وأنتِ بالفعل كذلك.

لكي تجعلي الوعي بأن كلمة "أنا" عبارة عن تعبير عن كل الأحاسيس دائما، يجب بذل جهود مستمرة – ليست أقل من جهود الرقابة الشاملة كل ثانية على التخلص من (ع س). لا بد من كسر العادة على اختلاق حيوان موجود بشكل مستقل. بالنسبة لي أسهل طريقة لفعل ذلك كانت البحث في الأحاسيس الموجودة – هذا موجود، وهذا موجود، وذلك موجود، لا نحس بشيء آخر.

أحد العوائق في طريق الوصول إلى الوعي بعدم الوجود يكمن في أن كلمة "أنا" اندست في لغتنا بشكل قوي. خلال اليوم نستخدمها مئات المرات، داعمين بذلك المفاهيم المتعلقة بها. لذلك فعال جدا العدول عن استخدام كلمات "أنا"، "أنت"، "هي"، مستخدمينها فقط عند التعامل مع أولئك الذين نهتم بردة فعلهم التي ننتظرها (في العمل على سبيل المثال). يعجبني استبدال كلمة "أنا" بكلمة "هذا المكان"، وبدل كلمة "أريد"، كلمة "توجد رغبة"، بدل "أنا أعتقد" – "توجد فكرة".

بنفس الشكل يكون تدريب الوعي بعدم وجود "أنت"، "هي" – تعرفين أن الأحاسيس "مظهر الخلفية"، "سماع الصوت"، "طعم حلمة الثدي"،  "لمسة اللسان للعضو الجنسي الأنثوي"، العاطفة، الحنية وغير ذلك – موجودة، وإحساس "هي" – غير موجود.

نتيجة هذا الوضوح يظهر إحساس غير عادي. قد يظهر تفسير تلقائي له على أنه "وحدة" – هذا عندما توجد "أنا"، وتوجد "أنت" التي لا يمكن الوصول إليها، توجد (ع س) متعلقة بهذا الموقف. ولكن هذا الإحساس الجديد يرتبط بكلمة "الإطلاق"، "الإنفتاحية". تشعرين بتحرر من خوف الوحدة الدائم، تحرر سعيد لدرجة الدموع يتخللكِ ، فقد اكتشفتِ أن هذا الخوف ليس إلا فقاعة صابون. تكتشفين أن كل حياتكِ، كل الأاهداف والقيم كانت مبنية على الإيمان ب"المشاهد"، "ب"الآخر". إن الناس يمثلون مسرحية لانهائية، عديمة المعنى، منذ ولادتهم وإلى موتهم. والآن لقد انهدم هذا الشيء الوهمي، وماذا الآن؟ وكأن أمامكِ نمور لعوبة – الرغبات السعيدة التي تؤدي إلى الأحاسيس المشرقة ليس من "أجل أحد"، وليس "بسبب شيء"، بل بسبب وجود طموح لا يمكن وقفه. طيلة حياتكِ كنتِ تلعبين مع نفسكِ الشطرنج: تخيلتي لنفسكِ خصما، هزمتيه، خسرتِ، شعرتِ باليأس والرضا، التقزز ومثيل الشوق. والآن فجأة رفعتِ عيونكِ.... لا يوجد أحد! يوجد اختيار – إما انحلال العبوس،أو الترحل في عالم الأحاسيس المشرقة المذهل الذي لا حدود له. لا يوجد شيء ثالث.

العادة في اختلاق "الشخصيات" و"الأشياء" قوية جدا، لذلك لا بد من بذل جهود مستمرة من الصراحة (أي تثبيت الأحاسيس على ما هي عليه، دون تتمة أو حذف، دون مراقبة ومرايا مشوهة)، من أجل تكوين عادة جديدة وتثبيتها – العادة في الشعور بالوضوح في أنه لا توجد الأحاسيس غير الموجودة، بل توجد فقط الأحاسيس الموجودة. هذا يتم بدرجات مختلفة من الصعوبة في مواقف مختلفة.  إن إيقان هذا خلال الجلوس على الأريكة شيء، وشيء آخر عندما تتحدث، عندما يوجد الإحساس بالصرخات الغاضبة أو الأحضان الحنونة. تظهر تفسيرات كاذبة، على سبيل المثال "إذا كان لا يوجد أحد، فلماذا الشعور بالحنان؟" إن هذا السؤال ليس له معنى، لأن نفس كلمة "لماذا" تعني وجود جسد معين، يتخذ القرارات، كما يعني أنه لا توجد رغبة للشعور بالحنان. ولكن كل شيء بسيط جدا – توجد رغبة سعيدة للشعور بالحنان، وتوجد متعة من الشعور بالحنان، توجد رغبة في تقوية هذا الإحساس، توجد رغبة في تقوية الرغبة في الشعور بالحنان، وقوة هذه الرغبات أقوى من الرغبة في ترك كل شيء على ما هو عليه، الرغبة في الرجوع إلى ظلام (ع س) والغباء.

من المستحيل أن نعرف ما الظروف الأفضل للقيام بتثبيت هذا الوضوح – الجلوس في وحدة في كهف ما، أو العكس – التواجد بين حشد من الناس. هذا لا يعتمد على الظروف، بل على كونكِ تتبعين الرغبات السعيدة أم لا.

عن طريق وهم "أنا" تقومين بخداع نفسكِ مرتين – من جهة تؤمنين بأن "أنا" موجودة فيكِ وفي شخص آخر، ومن جهة أخرى تؤمنين بأنها غير موجودة  في الحجر، في الشجرة، وفي النبات ، وهذا كاذب بالطبع، لأنه لا يوجد إحساس "لا توجد انا"، دون الحاجة إلى الحديث عن ما هو غير محدد - ذلك الشيء الذي نتحدث عن عدم وجوده. إذا كانت كلمة معينة لا تعبر عن مجموعة معينة من الأحاسيس، لا نستطيع عندها قول أي شيء في هذا الموضوع – لا "أنه" موجود، ولا أنه "غير موجود". العاطفة، الفكرة، الإحساس – موجودة، وإحساس "أنا غير موجودة"  غير موجود. ليس صعب فهم هذا. بهذا الشكل ناحية أخرى من تدريب التوصل إلى الوضوح في عدم وجود إحساس "أنا"، تكمن في أنكِ تفهمين أن إحساس "لا يوجد أنا" غير موجود كذلك. التطور الطبيعي لهذا التدريب هو تدريب "ليس نهر ، ولا جبل"، الذي تم وصفه في الوحدة التي تتحدث عن الوعي الساطع المميز.

عند استخدام هذه الطريقة بشكل تدريجي ، يمكننا التوصل إلى الوضوح في المفاهيم النظرية. ننظر إلى الحجر في قاع البحر، ونستنتج أن الحجر شيء ، والبحر شيء آخر. هذا الإستنتاج يعتمد على أننا نرى الحدود بين الحجر والبحر، وأن هذا الحد موجود اليوم، وغدا، وبعد سنة. وإذا نظرتِ إلى ضباب خفيف، سيكون أصعب القول أن الضباب شيء، والهواء شيء آخر، لأن الضباب يتشتت في الهواء. في حين أنه معروف تماما، أن الحجر بعد مليون سنة سيتحلل في المحيط، لذلك فاستنتاجنا اصطلاحي جدا. كيف يمكن أن ينظر إلى العالم مخلوق يعيش يوما واحدا؟ ربما لتمكن من خلق تصورات عن العالم قد نعتبرها نحن هذيان كامل.

لننظر إلى هذا من ناحية أخرى: نكون استنتاجا عن وجود جسدين مختلفين بسبب وجود حد واضح بينهما. ولكن بين العين والجفن كذلك يوجد حد ليس أقل وضوحا من ذلك الذي بين الحجر والمياه في البحر – هل يشكل هذا أساس لاعتبار الإنسان شيئا مكونا من عدة  أجسام مختلفة؟

رسميا يمكننا القيام بذلك، وهذا ما نقوم به في عملنا، ولكننا مع ذلك نتذكر أن الإنسان عبارة عن ليس فقط مجموعة من الأجسام، بل جسد صعب التكوين، شيء موحد. لماذا إذا نعتبرالحجر والبحر جسدين  مختلفين؟ بسبب التعود. في هذا المثال يظهر بوضوح المعيار الثنائي للتفكير المفهومي.